تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
الكلمة ، وأول كلام لخاتمة المحدثات هو هذه الكلمة ، فلا جرم جعلها اللّه فاتحة كتابه فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وأيضاً ثبت أن أول كلمات اللّه قوله : الحمد للّه ، وآخر أنبياء اللّه محمد رسول اللّه ، وبين الأول والآخر مناسبة ، فلا جرم جعل قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أول آية من كتاب محمد رسوله ، ولما كان كذلك وضع لمحمد عليه السلام من كلمة الحمد اسمان : أحمد ومحمد ، وعند هذا قال عليه السلام : « أنا في السماء أحمد ، وفي الأرض محمد » فأهل السماء في تحميد اللّه ، ورسول اللّه أحمدهم واللّه تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال تعالى :
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
[ الإسراء : 19 ] ورسول اللّه محمدهم . والنكتة الثانية : أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة ، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام ، فلهذا السبب قال : سبقت رحمتي غضبي . النكتة الثالثة : أن الرسول اسمه أحمد ، ومعناه أنه أحمد الحامدين أي : أكثرهم حمداً ، فوجب أن تكون نعم اللّه عليه أكثر لما بينا أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة ، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة اللّه في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين ، فلهذا السبب قال :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] . النكتة الرابعة : أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما الرحمن الرحيم ، وهما يفيدان المبالغة ، والرسول له أيضاً اسمان مشتقان من الرحمة ، وهما محمد وأحمد ، لأنا بينا أن حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة ، فقولنا محمد وأحمد جار مجرى قولنا مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول : الحمد ، والحامد ، والمحمود ، فهذه خمسة أسماء للرسول دالة على الرحمة ، إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال :
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الحجر : 49 ] فقوله : نبىء إشارة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو مذكور قبل العباد ، والياء في قوله : عبادي ضمير عائد إلى اللّه تعالى والياء في قوله : أني عائد إليه ، وقوله : أنا عائد إليه ، وقول : الغفور الرحيم ، صفتان للّه فهي خمسة ألفاظ دالة على اللّه الكريم الرحيم ، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول عليه الصلاة والسلام مع خمسة أسماء تدل على الرحمة ، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء اللّه تدل على الرحمة ، ورحمة الرسول كثيرة كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
ورحمة اللّه غير متناهية كما قال تعالى :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
[ الأعراف : 156 ] فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة ؟ . وأما فوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة فأشياء : النكتة الأولى : أن سورة الفاتحة فيها عشرة أشياء ، منها خمسة من صفات الربوبية ، وهي : اللّه ، والرب ، والرحمن ، والرحيم ، والمالك ، وخمسة أشياء من صفات العبد وهي : العبودية ، والاستعانة ، وطلب الهداية ، وطلب الاستقامة ، وطلب النعمة كما قال :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
فانطبقت تلك الأسماء الخمسة على هذه الأحوال الخمسة ، فكأنه قيل : إياك نعبد لأنك أنت اللّه ، وإياك نستعين لأنك أنت الرب ، اهدنا الصراط المستقيم لأنك أنت الرحمن ، وارزقنا الاستقامة لأنك أنت الرحيم ، وأفض علينا سجال نعمك وكرمك لأنك مالك يوم الدين . النكتة الثانية : الإنسان مركب من خمسة أشياء : بدنه ، ونفسه الشيطانية ، ونفسه الشهوانية ، ونفسه الغضبية ، وجوهره الملكي العقلي ، فتجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب الخمسة فتجلى اسم اللّه
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 241 | فخر الدين الرازي