للروح الملكية العقلية الفلكية القدسية فخضع وأطاع كما قال :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] وتجلى النفس الشيطانية بالبر والإحسان - وهو اسم الرب - فترك العصيان وانقاد لطاعة الديان ، وتجلى للنفس الغضبية السبعية باسم الرحمن وهذا الاسم مركب من القهر واللطف كما قال :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
[ الفرقان : 26 ] فترك الخصومة وتجلى للنفس الشهوانية البهيمية باسم الرحيم وهو أنه أطلق المباحات والطيبات كما قال :
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
[ المائدة : 5 ] فلان وترك العصيان ، وتجلى للأجساد والأبدان بقهر قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
فإن البدن غليظ كثيف ، فلا بد من قهر شديد ، وهو القهر الحاصل من خوف يوم القيامة ، فلما تجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب انغلقت أبواب النيران ، وانفتحت أبواب الجنان . ثم هذه المراتب ابتدأت بالرجوع كما جاءت فأطاعت الأبدان وقالت :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وأطاعت النفوس الشهوانية فقالت :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
على ترك اللذات والأعراض عن الشهوات ، وأطاعت النفوس الغضبية فقالت :
اهْدِنَا
وأرشدنا وعلى دينك فثبتنا ، وأطاعت النفس الشيطانية وطلبت من اللّه الاستقامة والصون عن الانحراف فقالت :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
وتواضعت الأرواح القدسية الملكية فطلبت من اللّه أن يوصلها بالأرواح القدسية العالية المطهرة المعظمة فقالت :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
. النكتة الثالثة :
قال عليه السلام بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ،
فشهادة أن لا إله إلا اللّه حاصلة من تجلي نور اسم اللّه ، وإقام الصلاة من تجلي اسم الرب ، لأن الرب مشتق من التربية والعبد يربي إيمانه بمدد الصلاة ، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن ، لأن الرحمن مبالغة في الرحمة ، وإيتاء الزكاة لأجل الرحمة على الفقراء ، ووجوب صوم رمضان من تجلي اسم الرحيم ، لأن الصائم إذا جاع تذكر جوع الفقراء فيعطيهم ما يحتاجون إليه ، وأيضاً إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات فعند الموت يسهل عليه مفارقتها ، ووجوب الحج من تجلي اسم مالك يوم الدين ، لأن عند الحج يجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد ، وذلك يشبه سفر يوم القيامة ، وأيضاً الحاج يصير حافياً حاسراً عارياً وهو يشبه حال أهل القيامة وبالجملة فالنسبة بين الحج وبين أحوال القيامة ، كثيرة جداً . النكتة الرابعة : أنواع القبلة خمسة : بيت المقدس ، والكعبة ، والبيت المعمور ، والعرش وحضرة جلال اللّه : فوزع هذه الأسماء الخمسة على الأنواع الخمسة من القبلة . النكتة الخامسة : الحواس خمس : أدب البصر بقوله :
فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
[ الحشر : 2 ] والسمع بقوله :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزمر : 18 ] والذوق بقوله :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً
[ المؤمنون : 51 ] والشم بقوله :
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ
[ يوسف : 94 ] واللمس بقوله :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ *
[ المعارج : 29 ، المؤمنون : 5 ] فاستعن بأنوار هذه الأسماء الخمسة على دفع مضار هذه الأعداء الخمسة . النكتة السادسة : اعلم أن الشطر الأول : من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة فتفيض الأنوار على الأسرار ، والشطر الثاني : منها مشتمل على الصفات الخمسة لعبد فتصعد منها أسرار إلى مصاعد تلك الأنوار ، وبسبب هاتين الحالتين يحصل للعبد معراج في صلاته : فالأول : هو النزول ، والثاني : هو الصعود ، والحد