تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
إتعاب للغير ابتداء ، وذلك يوجب الظلم . الثاني : قالوا الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد وغير نافع للمحمود ، لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره ، فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث وضرر ، فوجب أن لا يكون مشروعاً . الثالث : أن معنى الإيجاب هو أنه لو لم يفعل لاستحق العقاب ، فإيجاب حمد اللّه تعالى معناه أنه قال لو لم تشتغل بهذا الحمد لعاقبتك ، وهذا الحمد لا نفع له في حق اللّه ، فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة فيه لأحد ، ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد ، وهذا لا يليق بالحكم الكريم . الفريق الثاني : قالوا الاشتغال بحمد اللّه سوء أدب من وجوه : الأول : أنه يجري مجرى مقابلة إحسان اللّه بذلك الشكر القليل ، والثاني : أن الاشتغال بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك النعم في القلب ، واشتغال القلب بالنعم يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . الثالث : أن الثناء على اللّه تعالى عند وجدان النعمة يدل على أنه إنما أثنى عليه لأجل الفوز بتلك النعم ، وذلك يدل على أن مقصوده من العبادة والحمد والثناء الفوز بتلك النعم ، وهذا الرجل في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنما هو تلك النعمة وحظ النفس ، وذلك مقام نازل ، واللّه أعلم .

الفصل الثاني في تفسير قوله رب العالمين ،

وفيه فوائد أقسام العالم وأنواع كل قسم : الفائدة الأولى : [ أقسام العالم وأنواع كل قسم ] اعلم أن الموجود إما أن يكون واجباً لذاته ، وإما أن يكون ممكناً لذاته ، أما الواجب لذاته فهو اللّه تعالى فقط ، وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى اللّه تعالى وهو العالم ، / لأن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى اللّه ، وسبب تسمية هذا القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى اللّه يدل على وجود اللّه تعالى ، فلهذا السبب سمي كل موجود سوى اللّه بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى اللّه تعالى إما أن يكون متحيزاً ، وإما أن يكون صفة للمتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزاً ولا صفة للمتحيز ، فهذه أقسام ثلاثة : القسم الأول : المتحيز : وهو إما أن يكون قابلًا للقسمة ، أو لا يكون ، فإن كان قابلًا للقسمة فهو الجسم ، وإن لم يكن كذلك فهو الجوهر الفرد ، أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو من الأجسام السفلية ، أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، وقد ثبت بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين ، مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح والقلم والجنة ، وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة : أما البسيطة فهي العناصر الأربعة : واحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال والبلاد المعمورة ، وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا يعلم عددها إلا اللّه تعالى ، وثالثها : كرة الهواء ، ورابعها : كرة النار . وأما الأجسام المركبة فهي النبات ، والمعادن ، والحيوان ، على كثرة أقسامها وتباين أنواعها ، وأما القسم الثاني : - وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات - فهي الأعراض ، والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنساً من أجناس الأعراض . أما الثالث - وهو الممكن الذي لا يكون متحيزاً ولا صفة للمتحيز - فهو الأرواح ، وهي إما سفلية ، وإما علوية : أما السفلية فهي إما خيرة ، وهم صالحو الجن ، وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما متعلقة بالأجسام وهي الأرواح