تسمية اللّه باسم الشيء ، فإن قيل : لو كان الكلام مقصورا على قوله :
قُلِ اللَّهُ
لكان دليلكم حسنا ، لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى :
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأنعام : 19 ] وهذا كلام مستقل بنفسه ، ولا تعلق له بما قبله ، وحينئذ لا يلزم أن يكون اللّه تعالى مسمى باسم الشيء قلنا : لما قال :
أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً
ثم قال :
قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله :
أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً
وحينئذ يلزم المقصود .
الحجة الثانية : قوله تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 8 ] والمراد بوجهه ذاته ، ولو لم تكن ذاته شيئا لما جاز استثناؤه عن قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
وذلك يدل على أن اللّه تعالى مسمى بالشيء .
الحجة الثالثة :
قوله عليه السلام في خبر عمران بن الحصين : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره »
وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على اللّه تعالى .
الحجة الرابعة :
روى عبد اللّه الأنصاري في الكتاب الذي سماه « بالفاروق » عن عائشة رضي اللّه عنها أنها سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما من شيء أغير من اللّه عزّ وجلّ » .
الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وذات اللّه تعالى كذلك ، فيكون شيئا .
واحتج جهم بوجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] وكذلك قوله :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *
[ المائدة : 17 ] فهذا يقتضي أن يكون كل شيء مخلوقا ومقدورا ، واللّه تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ، ينتج أن اللّه سبحانه وتعالى ليس بشيء . فإن قالوا إن قوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ *
وقوله :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ الملك : 1 ] عام دخله التخصيص ، قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول : أن التخصيص خلاف الأصل ، والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر ، الثاني : أن الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل ، فلهذا السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات ، إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيرا قليل القدر فيجعل وجوده كعدمه ، ويحكم على الباقي بحكم الكل ، فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يكون اللّه تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو اللّه تعالى ، فامتنع أن يحصل فيه جواز التخصيص ، فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال .
الحجة الثانية : قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] حكم اللّه تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ، ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه ، وثبت بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء ، فإن قالوا إن الكاف زائدة ، قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام اللّه تعالى لغو وعبث وباطل ، ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ، ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال .
الحجة الثالثة : لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء ، وأسماء اللّه تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسما للّه تعالى : أما قولنا إن اسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر ، وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء ، وإذا كان كذلك