وخالق فقد عرفنا اللّه تعالى معرفة عرضية إنما الذي نفيناه الآن هو المعرفة الذاتية ، فلتكن هذه الدقيقة معلومة حتى لا تقع في الغلط .
المقدمة السابعة : اعلم أن إدراك الشيء من حيث هو هو - أعني ذلك النوع الذي سميناه بالمعرفة الذاتية - يقع في الشاهد على نوعين : أحدهما : العلم ، والثاني : الإبصار ، فإنا إذا أبصرنا السواد ثم غمضنا العين فإنا نجد تفرقة بديهية بين الحالتين ، فعلمنا أن العلم غير ، وأن الأبصار غير ، إذا عرفت هذا فنقول : بتقدير أنه يقال يمكن حصول المعرفة الذاتية للخلق فهل لتلك المعرفة ولذلك الإدراك طريق واحد فقط أو يمكن وقوعه على طريقين مثل ما في الشاهد من العلم والإبصار ؟ هذا أيضا مما لا سبيل للعقل إلى القضاء به والجزم فيه ، وبتقدير أن يكون هناك طريقان : أحدهما : المعرفة ، والثاني : الإبصار فهل الأمر هناك مقصور على هذين الطريقين أو هناك طرق كثيرة ومراتب مختلفة ؟ كل هذه المباحث مما لا يقدر العقل على الجزم فيها البتة ، فهذا هو الكلام في هذه المقدمات .
المسألة العاشرة : في أنه هل للّه تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا ؟ نقل عن قدماء الفلاسفة إنكاره ، قالوا : والدليل عليه أن المراد من وضع الاسم الإشارة بذكره إلى المسمى فلو كان للّه بحسب ذاته اسم لكان المراد من وضع ذلك الاسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمى ، فإذا ثبت أن أحدا من الخلق لا يعرف ذاته المخصوصة البتة لم يبق في وضع الاسم لتلك الحقيقة فائدة ، فثبت أن هذا النوع من الاسم مفقود ، فعند هذا قالوا : إنه ليس لتلك الحقيقة اسم ، بل له لوازم معرفة ، وتلك اللوازم هي أنه الأزلي الذي لا يزول ، وأنه الواجب الذي لا يقبل العدم ، وأما الذين قالوا إنه لا يمتنع في قدرة اللّه تعالى أن يشرف بعض المقربين من عباده بأن يجعله عارفا بتلك الحقيقة المخصوصة قالوا : إذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يمتنع وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ، فثبت أن هذه المسألة مبنية على تلك المقدمات السابقة .
المسألة الحادية عشرة : بتقدير أن يكون وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكنا وجب القطع بأن ذلك الاسم أعظم الأسماء ، وذلك الذكر أشرف الأذكار ، لأن شرف العلم بشرف المعلوم ، وشرف الذكر بشرف المذكور ، فلما كان ذات اللّه تعالى أشرف المعلومات والمذكورات / كان العلم به أشرف العلوم ، وكان ذكر اللّه أشرف الأذكار ، وكان ذلك الاسم أشرف الأسماء وهو المراد من الكلام المشهور الواقع في الألسنة ، وهو اسم اللّه الأعظم ، ولو اتفق لملك مقرب أو نبي مرسل الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه لم يبعد أن يطيعه جميع عوالم الجسمانيات والروحانيات .
اسم اللّه الأعظم :
المسألة الثانية عشرة : القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه : - الأول : قول من يقول إن ذلك الاسم الأعظم هو قولنا :
ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 27 ] وورد فيه قوله عليه الصلاة والسلام : « ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » وهذا عندي ضعيف ، لأن الجلال إشارة إلى الصفات السلبية ، والإكرام إشارة إلى الصفات الإضافية ، وقد عرفت أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات .
والقول الثاني : قول من يقول أنه هو
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[ البقرة : 255 ] لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بن