فأعمل أحاديث النهي وادعى النسخ في حديث الاذن ولم يوافق على ذلك ، حكاه ابن
التين عنه انتهى . وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب ، وقد أمكن
هنا بلا تعسف كما عرفت . قال ابن العربي : لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح
الدين وإقامة الشرع ، وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن
لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها ، وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله
( ص ) فقال : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
إلى قوله في صفة ريقها : كأنه منهل بالراح معلول
قال العراقي : وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شئ ،
وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع ، وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها
بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد أو غيره فليس فيها مدح الخمر وإنما فيها
مدح ريقها وتشبيهه بالراح ، قال : ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته
بحيث يشوش بذلك على مصل أو قارئ أو منتظر للصلاة ، فإن أدى إلى ذلك كره ، ولو قيل
بتحريمه لم يكن بعيدا . وقد قدمنا ما يدل على النهي عن رفع الصوت في المساجد مطلقا
في باب حمل المحدث . وأما التحلق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة فحمل النهي عنه
الجمهور على الكراهة وذلك لأنه ربما قطع الصفوف ، مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم
الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول . وقال الطحاوي : التحلق المنهي عنه قبل
الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به . والتقييد بقبل الصلاة
يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر . والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيرها ،
كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي واقد الليثي قال : بينما رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم في المسجد فأقبل ثلاثة نفر ، فأقبل اثنان إلى رسول الله وذهب واحد ، فأما
أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها ، وأما الآخر فجلس خلفهم الحديث . وأما
التحلق في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز . وفي حديث ابن مسعود : سيكون في
آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه
ليس لله فيهم حاجة ذكره العراقي في شرح الترمذي قال : وإسناده ضعيف فيه
بزيغ أبو الخليل وهو ضعيف جدا . قوله : وعن الحلق بفتح المهملة ويجوز
كسرها واللام مفتوحة على كل حال جمع حلقة بإسكان اللام على غير قياس ، وحكي
فتحها أيضا كذا في الفتح .
نيل الأوطار — صفحة 168
مساهمون: الشوكاني
ص١٦٨