فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
على أن في الكلام معنى جحد ، وذلك كقول القائل : اعمل ما بدا لك إلا على ارتكاب المعصية ، فإنك معاقب عليه ، ومعناه : اعمل ما بدا لك إلا أنك معاقب على ارتكاب المعصية . قوله :
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته ، أو ملك يمينه ، ففاعلو ذلك هم العادون ، الذي عدوا ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم فهم الملومون . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ . . .
قائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ . . .
جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
يقول تعالى ذكره : وإلا الذين هم لأمانات الله التي ائتمنهم عليها من فرائضه وأمانات عباده التي ائتمنوا عليها ، وعهوده التي أخذها عليهم بطاعته فيما أمرهم به ونهاهم وعهود عباده التي أعطاهم على ما عقده لهم على نفسه راعون ، يرقبون ذلك ، ويحفظونه فلا يضيعونه ، ولكنهم يؤدونها ويتعاهدونها على ما ألزمهم الله وأوجب عليهم حفظها .
وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ
يقول : والذين لا يكتمون ما استشهدوا عليه ، ولكنهم يقومون بأدائها ، حيث يلزمهم أداؤها غير مغيرة ولا مبدلة
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ
يقول : والذين هم على مواقيت صلاتهم التي فرضها الله عليهم وحدودها التي أوجبها عليهم يحافظون ، ولا يضيعون لها ميقاتا ولا حدا . وقوله :
أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
يقول عز وجل : هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال في بساتين مكرمون يكرمهم الله بكرامته . القول في تأويل قوله تعالى :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا . . .
نَعِيمٍ كَلَّا . . .
يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : فما شأن الذين كفروا بالله قبلك يا محمد مهطعين ؛ وقد بينا معنى الإهطاع ، وما قال أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكره هنا لك . فقال قتادة فيه ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
يقول : عامدين . وقال ابن زيد فيه ما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قوله :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
قال :
المهطع : الذي لا يطرف . وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول : معناه :
مسرعين . وروي فيه عن الحسن ما : حدثنا به ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا قرة ، عن الحسن ، في قوله :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
قال : منطلقين . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا حماد بن مسعدة ، قال : ثنا قرة ، عن الحسن ، مثله . وقوله :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
يقولا : عن يمينك يا محمد ، وعن شمالك متفرقين حلقا ومجالس ، جماعة جماعة ، معرضين عنك وعن كتاب الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
قال : قبلك ينظرون
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
قال : العزين : العصب من الناس عن يمين وشمال ، معرضين عنه ، يستهزئون به . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
قال : مجالس مجنبين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ
يقول : عامدين
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ
أي فرقا حول