قال : ما كان من ظن الآخرة فهو علم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن
إِنِّي ظَنَنْتُ
يقول : أي علمت . القول في تأويل قوله تعالى :
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ . . .
الْخالِيَةِ
يقول تعالى ذكره : فالذي وصفت أمره ، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه ، في عيشة مرضية ، أو عيشة فيها الرضا ، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية ، لأن ذلك مدح للعيشة ، والعرب تفعل ذلك في المدح والذم فتقول : هذا ليل نائم ، وسر كاتم ، وماء دافق ، فيوجهون الفعل إليه ، وهو في الأصل مفعول لما يراد من المدح أو الذم ، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب ، ولا للمضروب ضارب ، لأنه لا مدح فيه ولا ذم . وقوله :
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
يقول : في بستان عال رفيع ، و " في " من قوله
فِي جَنَّةٍ
من صلة عيشة . وقوله :
قُطُوفُها دانِيَةٌ
يقول : ما يقطف من الجنة من ثمارها دان قريب من قاطفه . وذكر أن الذي يريد ثمرها يتناوله كيف شاء قائما وقاعدا ، لا يمنعه منه بعد ، ولا يحول بينه وبينه شوك .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء يقول في هذه الآية
قُطُوفُها دانِيَةٌ
قال :
يتناول الرجل من فواكهها وهو نائم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
قُطُوفُها دانِيَةٌ
دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك . وقوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
يقول لهم ربهم جل ثناؤه : كلوا معشر من رضيت عنه ، فأدخلته جنتي من ثمارها ، وطيب ما فيها من الأطعمة ، واشربوا من أشربتها ،
هَنِيئاً
لكم لا تتأذون بما تأكلون ، ولا بما تشربون ، ولا تحتاجون من أكل ذلك إلى غائط ولا بول
بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
يقول : كلوا واشربوا هنيئا : جزاء من الله لكم ، وثوابا بما أسلفتم ، أو على ما أسلفتم : أي على ما قدتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة الله في الأيام الخالية يقول : في أيام الدنيا التي خلت فمضت . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
إن أيامكم هذه أيام خالية : هي أيام فانية ، تؤدي إلى أيام باقية ، فاعملوا في هذه الأيام ، وقدموا فيها خيرا إن استطعتم ، ولا قوة إلا بالله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
قال : أيام الدنيا بما عملوا فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ . . .
لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ . . .
كانَتِ الْقاضِيَةَ
يقول تعالى ذكره : وأما من أعطي يومئذ كتاب أعماله بشماله ، فيقول : يا ليتني لم أعط كتابيه .
وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ
يقول : ولم أدر أي شيء حسابيه .
وقوله :
يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
يقول : يا ليت الموتة التي منها في الدنيا كانت هي الفراغ من كل ما بعدها ، ولم يكن بعدها حياة ولا بعث ؛ والقضاء : هو الفراغ . وقيل : إنه تمنى الموت الذي يقضى عليه ، فتخرج منه نفسه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
تمنى الموت ، ولم يكن في الدنيا شيء أكره عنده من الموت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ
الموت . القول في تأويل قوله تعالى :
ما أَغْنى عَنِّي . . .
سُلْطانِيَهْ