نجمع عظامه بلى نقدر على أن نسوي بنانه ؛ ثم صرف نقدر إلى قادرين . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : نصب على الخروج من نجمع ، كأنه قيل في الكلام : أيحسب أن لن نقوى عليه ؟ بلى قادرين على أقوى منك . يريد : بلى نقوى مقتدرين على أكثر من ذلك . وقال : قول الناس بلى نقدر ، فلما صرفت إلى قادرين نصبت خطأ ، لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل . ألا ترى انك تقول :
أتقوم إلينا ، فإن حولتها إلى فاعل قلت : أقائم ، وكان خطأ أن تقول قائما ؛ قال : وقد كانوا يحتجون بقول الفرزدق :
على قسم لا أشتم الدهر مسلما * ولا خارجا من في زور كلام
فقالوا : إنما أراد : لا أشتم ولا يخرج ، فلما صرفها إلى خارج نصبها ، وإنما نصب لأنه أراد : عاهدت ربي لا شاتما أحدا ، ولا خارجا من في زور كلام ؛ وقوله : لا أشتم ، في موضع نصب . وكان بعض نحويي البصرة يقول : نصب على نجمع : أي بل نجمعها قادرين على أن نسوي بنانه ، وهذا القول الثاني أشبه بالصحة على مذهب أهل العربية . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ . . .
يَقُولُ الْإِنْسانُ
يقول تعالى ذكره : ما يجهل ابن آدم أن ربه قادر على أن يجمع عظامه ، ولكنه يريد أن يمضي أمامه قدما في معاصي الله ، لا يثنيه عنها شيء ، ولا يتوب منها أبدا ، ويسوف التوبة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي الخير بن تميم الضبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : يمضي قدما . حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قوله
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
يعني الأمل ، يقول الإنسان : أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة ، ويقال : هو الكفر بالحق بين يدي القيامة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال :
ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : يمضي أمامه راكبا رأسه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : قال الحسن : لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما إلا من قد عصم الله . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، في قوله :
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : قدما في المعاصي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عمرو ، عن إسماعيل السدي
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : قدما . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن النضر ، عن عكرمة
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : قدما لا ينزع عن فجور . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
قال : سوف أتوب . وقال آخرون : بل معنى ذلك أنه يركب رأسه في طلب الدنيا دائبا ولا يذكر الموت . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
هو الأمل يؤمل الإنسان ، أعيش وأصيب من الدنيا كذا ، وأصيب كذا ، ولا يذكر