رحيم بعباده . القول في تأويل قوله تعالى :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ . . .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يقول تعالى ذكره :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
من أهل مكة
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
يقول : وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم ، وبركم بهم . واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية ، فقال بعضهم : عني بها : الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا ، فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
أن تستغفروا لهم ،
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
؛ قال : وهم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا . وقال آخرون : عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي ، قال : ثنا هارون بن معروف ، قال : ثنا بشر بن السري ، قال : ثنا مصعب بن ثابت ، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عبد الله بن الزبير ، قال : نزلت في أسماء بنت أبي بكر ، وكانت لها أم في الجاهلية يقال لها قتيلة ابنة عبد العزى ، فأتتها بهدايا وصناب وأقط وسمن ، فقالت : لا اقبل لك هدية ، ولا تدخلي علي حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
إلى قوله :
الْمُقْسِطِينَ
. قال ثنا إبراهيم بن الحجاج ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، قال : ثنا مصعب بن ثابت ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عبد الله بن الزبير ، قال : قدمت قتيلة بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حسل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر ، فذكر نحوه . وقال آخرون : بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ، ولم يخرجوهم من ديارهم ؛ قال : ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وسألته عن قول الله عز وجل :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ
الآية ، فقال : هذا قد نسخ ، نسخه ، القتال ، أمروا أن يرجعوا إليهم بالسيوف ، ويجاهدوهم بها ، يضربونهم ، وضرب الله لهم أجل أربعة أشهر ، إما المذابحة ، وإما الإسلام . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ
الآية ، قال : نسختها
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : عني بذلك : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم ، وتقسطوا إليهم ، إن الله عز وجل عم بقوله
الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
جميع من كان ذلك صفته ، فلم يخصص به بعضا دون بعض ، ولا معنى لقول من قال : ذلك منسوخ ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب ، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له ، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام ، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح .
قد بين صحة ما قلنا في ذلك ، الخبر الذي ذكرناه عن ابن الزبير في قصة أسماء وأمها . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يقول : إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم ، فيبرون من برهم ، ويحسنون إلى من أحسن إليهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ . . .
أَنْ تَوَلَّوْهُمْ
. . . فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يقول تعالى ذكره :
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ
أيها المؤمنون
عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ
من كفار أهل مكة
وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ