في هذا أسوة . ويعني بقوله :
وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
يقول : وما أدفع عنك من الله من عقوبة ، إن الله عاقبك على كفرك به ، ولا أغني عنك منه شيئا . وقوله :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا
يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل إبراهيم وأنبيائه صلوات الله عليهم :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا
يعني : وإليك رجعنا بالتوبة مما تكره إلى ما تحب وترضى .
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
يقول : وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا ، وتحشرنا في القيامة إلى موقف العرض . القول في تأويل قوله تعالى :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ
. . . كانَ يَرْجُوا اللَّهَ
. . . الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم خليله والذين معه : يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بك فجحدوا وحدانيتك ، وعبدوا غيرك ، بأن تسلطهم علينا ، فيروا أنهم على حق ، وأنا على باطل ، فتجعلنا بذلك فتنة لهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
قال لا تعذبنا بأيديهم ، ولا بعذاب من عندك ، فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
قال : يقول : لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك . يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه . علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
يقول : لا تسلطهم علينا فيفتنونا . وقوله :
وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا
يقول : واستر علينا ذنوبنا بعفوك لنا عنها يا ربنا ،
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يعني الشديد الانتقام ممن انتقم منه ، الحكيم :
يقول الحكيم في تدبيره خلقه ، وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم . وقوله :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
يقول تعالى ذكره لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة حسنة في الذين ذكرهم إبراهيم والذين معه من الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل .
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
يقول : لمن كان منكم يرجو لقاء الله ، وثواب الله ، والنجاة في اليوم الآخر . وقوله
وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره :
ومن يتول عما أمره الله به وندبه إليه منكم ومن غيركم ، فأعرض عنه وأدبر مستكبرا ، ووالى أعداء الله ، وألقى إليهم بالمودة ، فإن الله هو الغني عن إيمانه به ، وطاعته إياه ، وعن جميع خلقه ، الحميد عند أهل المعرفة بأياديه ، وآلائه عندهم . القول في تأويل قوله تعالى :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ
. . . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره : عسى الله أيها المؤمنون أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من أعدائي من مشركي قريش مودة ، ففعل الله ذلك بهم ، بأن أسلم كثير منهم ، فصاروا لهم أولياء وأحزابا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً
قال : هؤلاء المشركون قد فعل ، قد أدخلهم في السلم وجعل بينهم مودة حين كان الإسلام حين الفتح . وقوله :
وَاللَّهُ قَدِيرٌ
يقول : والله ذو قدرة على أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين مودة
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول : والله غفور لخطيئة من ألقى إلى المشركين بالمودة إذا تاب منها ، رحيم بهم أن يعذبهم بعد توبتهم منها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ
على ذلك
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يغفر الذنوب الكثيرة ،