تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
وقرأ بعض قراء الشام " يفصل " بضم الياء وفتح الصاد وتشديدها على وجه ما لم يسم فاعله . وهذه القراءات متقاربات المعاني صحيحات في الإعراب ، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب . وقوله :
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يقول جل ثناؤه : والله بأعمالكم أيها الناس ذو علم وبصر ، لا يخفى عليه منها شيء ، هو بجميعها محيط ، وهو مجازيكم بها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فاتقوا الله في أنفسكم واحذروه . القول في تأويل قوله تعالى :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ . . .
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ
. . . حَتَّى تُؤْمِنُوا
. . . رَبَّنا عَلَيْكَ
. . . إِلَيْكَ الْمَصِيرُ
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة : يقول : قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن ، تقتدون به ، والذين معه من أنبياء الله ، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله عز وجل :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
قال : الذين معه الأنبياء . وقوله :
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
يقول : حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله ، وعبدوا الطاغوت : أيها القوم إنا برآء منكم ، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد . وقوله :
كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ
يقول جل ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة : كفرنا بكم ، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقا ، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا على كفركم بالله ، وعبادتكم ما سواه ، ولا صلح بيننا ولا هوادة ، حتى تؤمنوا بالله وحده ، يقول : حتى تصدقوا بالله وحده ، فتوحدوه ، وتفردوه بالعبادة . وقوله :
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
يقول تعالى ذكره : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه في هذه الأمور التي ذكرناها من مباينة الكفار ومعاداتهم ، وترك موالاتهم إلا في قول إبراهيم لأبيه
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
فإنه لا أسوة لكم فيه في ذلك ، لأن ذلك كان من إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه عدو الله ؛ فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه . يقول تعالى ذكره : فكذلك أنتم أيها المؤمنون بالله ، فتبرءوا من أعداء الله من المشركين به ولا تتخذوا منهم أولياء يؤمنوا بالله وحده ويتبرءوا عن عبادة ما سواه وأظهروا لهم العداوة والبغضاء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
قال : نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه ، فيستغفروا للمشركين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي جعفر ، عن مطرف الحارثي ، عن مجاهد :
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ
إلى قوله
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
يقول : في كل أمره أسوة ، إلا الاستغفار لأبيه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ
الآية ، ائتسوا به في كل شيء ، ما خلا قوله لأبيه :
لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
فلا تأتسوا بذلك منه ، فإنها كانت عن موعدة وعدها إياه . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ
يقول : لا تأسوا بذلك فإنه كان عليه موعدا ، وتأسوا بأمره كله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
إلى قوله :
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
قال : يقول : ليس لكم