تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب ، بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم ما تدعون لآلهتكم ، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون من ذلك
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم لها ما تدعون ، فإن الدعوى إذا لم يكن معها حجة لم تغن عن المدعي شيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
يقول تعالى ذكره : وأي عبد أضل من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة : يقول : لا تجيب دعاءه أبدا ، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك . وقوله :
وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ
يقول تعالى ذكره : وآلهتهم التي يدعونهم عن دعائهم إياهم في غفلة ، لأنها لا تسمع ولا تنطق ، ولا تعقل . وإنما عنى بوصفها بالغفلة ، تمثيلها بالإنسان الساهي عما يقال له ، إذ كانت لا تفهم مما يقال لها شيئا ، كما لا يفهم الغافل عن الشيء ما غفل عنه . وإنما هذا توبيخ من الله لهؤلاء المشركين لسوء رأيهم ، وقبح اختيارهم في عبادتهم ، من لا يعقل شيئا ولا يفهم ، وتركهم عبادة من جميع ما بهم من نعمته ، ومن به استغاثتهم عندما ينزل بهم من الحوائج والمصائب . وقيل : من لا يستجيب له ، فأخرج ذكر الآلهة وهي جماد مخرج ذكر بني آدم ، ومن له الاختيار والتمييز ، إذ كانت قد مثلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم في خدمتهم إياها ، فأجرى الكلام في ذلك على نحو ما كان جاريا فيه عندهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً . . .
بَيِّناتٍ
. . . مُبِينٌ
يقول تعالى ذكره : وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب ، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء ، لأنهم يتبرءون منهم
وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ
يقول تعالى ذكره : وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين ، لأنهم يقولون يوم القيامة : ما أمرناهم بعبادتنا ، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا ، تبرأنا إليك منهم يا ربنا . وقوله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
يقول تعالى ذكره : وإذا يقرأ على هؤلاء المشركين بالله من قومك آياتنا ، يعني حججنا التي احتججناها عليهم ، فيما أنزلناه من كتابنا على محمد صلى الله عليه وسلم
بَيِّناتٍ
يعني واضحات نيرات
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ
يقول تعالى ذكره : قال الذين جحدوا وحدانية الله ، وكذبوا رسوله للحق لما جاءهم من عند الله ، فأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم .
هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
يعنون هذا القرآن خداع يخدعنا ، ويأخذ بقلوب من سمعه فعل السحر
مُبِينٌ
: يقول : يبين لمن تأمله ممن سمعه أنه سحر مبين . القول في تأويل قوله تعالى :
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ . . .
مِنَ اللَّهِ
. . . الرَّحِيمُ
يقول تعالى ذكره : أم يقولون هؤلاء المشركون بالله من قريش ، افترى محمد هذا القرآن ، فاختلفه وتخرصه كذبا ، قل لهم يا محمد إن افتريته وتخرصته على الله كذبا
فَلا تَمْلِكُونَ لِي
يقول : فلا تغنون عني من الله إن عاقبني على افترائي إياه ، وتخرصي عليه شيئا ، ولا تقدرون أن تدفعوا عني سوءا إن أصابني به . وقوله :
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ
يقول : ربي أعلم من كل شيء سواه بما تقولون بينكم في هذا القرآن والهاء من قوله :
تُفِيضُونَ فِيهِ
من ذكر القرآن . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :
تُفِيضُونَ فِيهِ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ
قال : تقولون . وقوله :
كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
يقول : كفى بالله شاهدا علي وعليكم بما تقولون من تكذبيكم لي فيما جئتكم به من عند الله الغفور الرحيم لهم ، بأن لا يعذبهم عليها بعد توبتهم منها . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . .
أَتَّبِعُ إِلَّا