تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
من ذنبه ما تقدم وما تأخر . وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله جل ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوله للمشركين من قومه ويعلم أنه لا يدري إلام يصير أمره وأمرهم في الدنيا ، أيصير أمره معهم أن يقتلوه أو يخرجوه من بينهم ، أو يؤمنوا به فيتبعوه ، وأمرهم إلى الهلاك ، كما أهلكت الأمم المكذبة رسلها من قبلهم أو إلى التصديق له فيما جاءهم به من عند الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو بكر الهذلي ، عن الحسن ، في قوله :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
فقال : أما في الآخرة فمعاذ الله ، قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ، ولكن قال : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا ، أخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي ، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم ، أمتي المكذبة ، أم أمتي المصدقة ، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفا ، أم مخسوف بها خسفا ، ثم أوحي إليه :
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ
يقول : أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك ، فعرف أنه لا يقتل ، ثم أنزل الله عز وجل :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يقول : أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ، ثم قال له في أمته :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
فأخبره الله ما يصنع به ، وما يصنع بأمته . وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما أدري ما يفترض علي وعليكم ، أو ينزل من حكم ، وليس يعني ما أدري ما يفعل بي ولا بكم غدا في المعاد من ثواب الله من أطاعه ، وعقابه من كذبه . وقال آخرون : إنما أمر أن يقول هذا في أمر كان ينتظره من قبل الله عز وجل في غير الثواب والعقاب . وأولى الأقوال في ذلك بالصحة وأشبهها بما دل عليه التنزيل ، القول الذي قاله الحسن البصري ، الذي رواه عنه أبو بكر الهذلي . وإنما قلنا ذلك أولاها بالصواب لأن الخطاب من مبتدإ هذه السورة إلى هذه الآية ، والخبر خرج من الله عز وجل خطابا للمشركين وخبرا عنهم ، وتوبيخا لهم ، واحتجاجا من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم عليهم . فإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن هذه الآية أيضا سبيلها سبيل ما قبلها وما بعدها في أنها احتجاج عليهم ، وتوبيخ لهم ، أو خبر عنهم . وإذا كان ذلك كذلك ، فمحال أن يقال للنبي صلى الله عليه وسلم : قل للمشركين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة ، وآيات كتاب الله عز وجل في تنزيله ووحيه إليه متتابعة بأن المشركين في النار مخلدون ، والمؤمنون به في الجنان منعمون ، وبذلك يرهبهم مرة ، ويرغبهم أخرى ، ولو قال لهم ذلك ، لقالوا له : فعلام نتبعك إذن وأنت لا تدري إلى أي حال تصير غدا في القيامة ، إلى خفض ودعة ، أم إلى شدة وعذاب ؛ وإنما اتباعنا إياك إن اتبعناك ، وتصديقنا بما تدعونا إليه ، رغبة في نعمة ، وكرامة نصيبها ، أو رهبة من عقوبة ، وعذاب نهرب منه ، ولكن ذلك كما قال الحسن ، ثم بين الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما هو فاعل به ، وبمن كذب بما جاء به من قومه وغيرهم . وقوله :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
يقول تعالى ذكره : قل لهم ما أتبع فيما آمركم به ، وفيما أفعله من فعل إلا وحي الله الذي يوحيه إلي .
وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
يقول : وما أنا لكم إلا نذير ، أنذركم عقاب الله على كفركم به مبين : يقول : قد أبان لكم إنذاره ، وأظهر لكم دعاءه إلى ما فيه نصيحتكم ، يقول : فكذلك أنا . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ . . .
إِنَّ اللَّهَ
. . . الظَّالِمِينَ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لهذا القرآن لما جاءهم هذا سحر مبين
أَ رَأَيْتُمْ
أيها القوم
إِنْ كانَ
هذا القرآن
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أنزله علي
وَكَفَرْتُمْ
أنتم
بِهِ
يقول : وكذبتم أنتم به . وقوله :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وشهد شاهد من بني إسرائيل ، وهو موسى بن عمران عليه السلام على مثله ، يعني على