تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤

[ تفسير سورة الجاثية ]

القول في تأويل قوله تعالى
حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ . . .
فِي السَّماواتِ
. . . لِلْمُؤْمِنِينَ
قد تقدم بياننا في معنى قوله
حم
وأما قوله :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ
فإن معناه : هذا تنزيل القرآن من عند الله
الْعَزِيزِ
في انتقامه من أعدائه
الْحَكِيمِ
في تدبيره أمر خلقه . وقوله :
إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى ذكره : إن في السماوات السبع الآتي منهن نزول الغيث ، والأرض التي منها خروج الخلق أيها الناس
لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
يقول : لأدلة وحججا للمصدقين بالحجج إذا تبينوها ورأوها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
يقول تعالى ذكره : وفى خلق الله إياكم أيها الناس ، وخلقه ما تفرق في الأرض من دابة تدب عليها من غير جنسكم
آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
يعني : حججا وأدلة لقوم يوقنون بحقائق الأشياء ، فيقرون بها ، ويعلمون صحتها . واختلفت القراء في قراءة قوله :
آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وفي التي بعد ذلك فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة
آياتٌ
رفعا على الابتداء ، وترك ردها على قوله :
لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
، وقرأته عامة قراء الكوفة " آيات " خفضا بتأويل النصب ردا على قوله :
لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
. وزعم قارئو ذلك كذلك من المتأخرين أنهم اختاروا قراءته كذلك ، لأنه في قراءة أبي في الآيات الثلاثة " لآيات " باللام فجعلوا دخول اللام في ذلك في قراءته دليلا لهم على صحة قراءة جميعه بالخفض ، وليس الذي اعتمدوا عليه من الحجة في ذلك بحجة ، لأن لا رواية بذلك عن أبي صحيحة ، وأبي لو صحت به عنه رواية ، ثم لم يعلم كيف كانت قراءته بالخفض أو بالرفع لم يكن الحكم عليه بأنه كان يقرأه خفضا ، بأولى من الحكم عليه بأنه كان يقرأه رفعا ، إذ كانت العرب قد تدخل اللام في خبر المعطوف على جملة كلام تام قد عملت في ابتدائها " إن " ، مع ابتدائهم إياه ، كما قال حميد بن ثور الهلالي :
إن الخلافة بعدهم لذميمة * وخلائف طرف لمما أحقر
فأدخل اللام في خبر مبتدأ بعد جملة خبر قد عملت فيه " إن " إذ كان الكلام ، وإن ابتدئ منويا فيه إن . والصواب من القول في ذلك إن كان الأمر على ما وصفنا أن يقال : إن الخفض في هذه الأحرف والرفع قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار قد قرأ بهما علماء من القراء صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
يقول تبارك وتعالى : وفي اختلاف الليل والنهار أيها الناس ، تعاقبهما عليكم ، هذا بظلمته وسواده وهذا بنوره وضيائه
وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ
وهو الغيث الذي به تخرج الأرض أرزاق العباد وأقواتهم ، وإحيائه الأرض بعد موتها : يقول : فأنبت ما أنزل من السماء من الغيث ميت الأرض ، حتى اهتزت بالنبات والزرع من بعد موتها ، يعني من بعد جدوبها وقحوطها ومصيرها دائرة لا نبت فيها ولا زرع . وقوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
يقول : وفي تصريفه الرياح لكم شمالا مرة ، وجنوبا أخرى ، وصبا أحيانا ، ودبورا أخرى لمنافعكم . وقد قيل : عنى بتصريفها بالرحمة مرة ، وبالعذاب أخرى . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
قال :