تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
إن الله تعالى ذكره يقول : " لا ينبغي لمن نازعني ردائي أن أدخله الجنة " جل وعز . وأجمعت قراء الأمصار جميعا على كسر الألف من قوله :
ذُقْ إِنَّكَ
على وجه الابتداء . وحكاية قول هذا القائل : إني أنا العزيز الكريم . وقرأ ذلك بعض المتأخرين " ذق إنك " بفتح الألف على إعمال قوله :
ذُقْ
في قوله :
إِنَّكَ
كأن معنى الكلام عنده : ذق هذا القول الذي قلته في الدنيا . والصواب من القراءة في ذلك عندنا كسر الألف من
إِنَّكَ
على المعنى الذي ذكرت لقارئه ، لإجماع الحجة من القراء عليه ، وشذوذ ما خالفه ، وكفى دليلا على خطأ قراءة خلافها ، ما مضت عليه الأئمة من المتقدمين والمتأخرين ، مع بعدها من الصحة في المعنى وفراقها تأويل أهل التأويل . وقوله :
إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
يقول تعالى ذكره : يقال له : إن هذا العذاب الذي تعذب به اليوم ، هو العذاب الذي كنتم في الدنيا تشكون ، فتختصمون فيه ، ولا توقنون به فقد لقيتموه ، فذوقوه . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ . . .
جَنَّاتٍ
. . . مُتَقابِلِينَ
يقول تعالى ذكره : إن الذين اتقوا الله بأداء طاعته ، واجتناب معاصيه في موضع إقامة ، آمنين في ذلك الموضع مما كان يخاف منه في مقامات الدنيا من الأوصاب والعلل والأنصاب والأحزان . واختلفت القراء في قراءة قوله :
فِي مَقامٍ أَمِينٍ
فقرأته عامة قراء المدينة " في مقام أمين " بضم الميم ، بمعنى : في إقامة أمين من الظعن . وقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة
فِي مَقامٍ
بفتح الميم على المعنى الذي وصفنا ، وتوجيها إلى أنهم في مكان وموضع أمين . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ
إي والله ، أمين من الشيطان والأنصاب والأحزان . وقوله :
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
الجنات والعيون ترجمة عن المقام الأمين ، والمقام الأمين : هو الجنات والعيون ، والجنات : البساتين ، والعيون : عيون الماء المطرد في أصول أشجار الجنات . وقوله :
يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ
يقول : يلبس هؤلاء المتقون في هذه الجنات من سندس ، وهو مارق من الديباج وإستبرق : وهو ما غلظ من الديباج . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عكرمة ، في قوله :
مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
قال : الإستبرق : الديباج الغليظ . وقيل :
يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
ولم يقل لباسا ، استغناء بدلالة الكلام على معناه . وقوله :
مُتَقابِلِينَ
يعني أنهم في الجنة يقابل بعضهم بعضا بالوجوه ، ولا ينظر بعضهم في قفا بعض . وقد ذكرنا الرواية بذلك فما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ
. . . عَذابَ
. . . الْعَظِيمُ
يقول تعالى ذكره : كما أعطينا هؤلاء المتقين في الآخرة من الكرامة بإدخالنا هم الجنات ، وإلباسناهم فيها السندس والإستبرق ، كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم أيضا فيها حورا من النساء ، ومن النقيات البياض ، واحدتهن : حوراء . وكان مجاهد يقول في معنى الحور ، ما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
قال : أنكحناهم حورا . قال : والحور : اللاتي يحار فيهن الطرف باد مخ سوقهن من وراء