تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
فقرأته عامة قراء مكة والمدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة :
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
رفعا على الاستئناف ، وأن الخبر قد تناهى عند قوله :
أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة :
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
نصبا ، على الرد على قوله :
وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ
على أن ذلك كله كلام واحد . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، مع استفاضة القراءة بهما في القراء ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وتأويل الكلام : ذلك معبودكم أيها الناس الذي يستحق عليكم العبادة : ربكم الذي خلقكم ، ورب آبائكم الماضيين قبلكم ، لا الصنم الذي لا يخلق شيئا ، ولا يضر ولا ينفع . وقوله :
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
يقول : فكذب إلياس قومه ، فإنهم لمحضرون : يقول : فإنهم لمحضرون في عذاب الله فيشهدونه ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
في عذاب الله .
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
يقول : فإنهم يحضرون في عذاب الله ، إلا عباد الله الذين أخلصهم من العذاب
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
يقول : وأبقينا عليه الثناء الحسن في الآخرين من الأمم بعده . القول في تأويل قوله تعالى : سلام على آل ياسين إنا . . .
الْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى ذكره : أمنة من الله لآل ياسين . واختلفت القراء في قراءة قوله :
سَلامٌ عَلى إِل‌ْياسِينَ
فقرأته عامة قراء مكة والبصرة والكوفة :
سَلامٌ عَلى إِل‌ْياسِينَ
بكسر الألف من إل ياسين ، فكان بعضهم يقول : هو اسم إلياس ، ويقول : إنه كان يسمى باسمين : إلياس ، وإل يا سين مثل إبراهيم ، وإبراهام ؛ يستشهد على ذلك أن ذلك كذلك بأن جميع ما في السورة من قوله :
سَلامٌ
فإنه سلام على النبي الذي ذكر دون آله ، فكذلك إل ياسين ، إنما هو سلام على إلياس دون آله . وكان بعض أهل العربية يقول : إلياس : اسم من أسماء العبرانية ، كقولهم : إسماعيل وإسحاق ، والألف واللام منه ، ويقول : لو جعلته عربيا من الإلس ، فتجعله إفعالا ، مثل الإخراج ، والإدخال أجري ؛ ويقول : قال : سلام على إل يا سين ، فتجعله بالنون ، والعجمي من الأسماء قد تفعل به هذا العرب ، تقول : ميكال وميكائيل وميكائين ، وهي في بني أسد تقول : هذا إسماعين قد جاء ، وسائر العرب باللام ؛ قال : وأنشدني بعض بني نمير لضب صاده :
يقول رب السوق لما جينا * هذا ورب البيت إسرائينا
قال : فهذا كقوله : إل ياسين ؛ قال : وإن شئت ذهبت بإل‌ياسين إلى أن تجعله جمعا ، فتجعل أصحابه داخلين في اسمه ، كما تقول لقوم رئيسهم المهلب : قد جاءتكم المهالبة والمهلبون ، فيكون بمنزلة قولهم الأشعرين بالتخفيف ، والسعدين بالتخفيف وشبهه ، قال الشاعر :
أنا ابن سعد سيد السعدين
قال : وهو في الاثنين أن يضم أحدهما إلى صاحبه إذا كان أشهر منه اسما كقول الشاعر :
جزاني الزهدمان جزاء سوء * وكنت المرء يجزى بالكرامة
واسم أحدهما : زهدم ؛ وقال الآخر :
جزى الله فيها الأعورين ذمامة * وفروة ثفر الثورة المتضاجم
واسم أحدهما أعور . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " سلام على آل ياسين " بقطع آل من ياسين ، فكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى : سلام على آل محمد . وذكر عن بعض القراء أنه كان يقرأ قوله :
وَإِنَّ إِلْياسَ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 61 | محمد بن جرير الطبري