متروكا من أجل أنه قد جرى الخبر عن فريق الكفر ، وما أعد له في الآخرة ، ثم أتبع الخبر عن فريق الإيمان ، فعلم بذلك المراد ، فاستغني بمعرفة السامع بمعناه من ذكره ، إذ كان معقولا أن معناه : هذا أفضل أم هذا ؟ . والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرأ بكل واحدة علماء من القراء مع صحة كل واحدة منهما في التأويل والإعراب ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين ، والصواب من القول عندنا فيما مضى قبل في معنى القانت ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ؛ غير أنا نذكر بعض أقوال أهل التأويل في ذلك في هذا الموضع ، ليعلم الناظر في الكتاب اتفاق معنى ذلك في هذا الموضع وغيره ، فكان بعضهم يقول : هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائما في الصلاة . ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، أنه قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سئل عن القنوت ، قال : لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام ، وقرأ :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
وقال آخرون : هو الطاعة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
يعني بالقنوت : الطاعة ، وذلك أنه قال :
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
إلى
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
قال : مطيعون . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
قال : القانت : المطيع . وقوله :
آناءَ اللَّيْلِ
يعني : ساعات الليل ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ
أوله ، وأوسطه ، وآخره . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
آناءَ اللَّيْلِ
قال : ساعات الليل . وقد مضى بياننا عن معنى الآناء بشواهده ، وحكاية أقوال أهل التأويل فيها بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
ساجِداً وَقائِماً
يقول : يقنت ساجدا أحيانا ، وأحيانا قائما ، يعني : يطيع ؛ والقنوت عندنا الطاعة ، ولذلك نصب قوله :
ساجِداً وَقائِماً
لأن معناه : أمن هو يقنت آناء الليل ساجدا طورا ، وقائما طورا ، فهما حال من قانت . وقوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
يقول : يحذر عذاب الآخرة ، كما : حدثنا علي بن الحسن الأزدي .
قال : ثنا يحيى بن اليمان ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
قال : يحذر عقاب الآخرة ، ويرجو رحمة ربه ، يقول : ويرجو أن يرحمه الله فيدخله الجنة . وقوله :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لقومك : هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب ، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات ، والذين لا يعلمون ذلك ، فهم يخبطون في عشواء ، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرا ، ولا يخافون بسيئها شرا ؟ يقول :
ما هذان بمتساويين . وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي في ذلك ما : حدثني محمد بن خلف ، قال :
ثني نصر بن مزاحم ، قال : ثنا سفيان الجريري ، عن سعيد بن أبي مجاهد ، عن جابر ، عن أبي جعفر ، رضوان الله عليه
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
قال : نحن الذين يعلمون ، وعدونا الذين