تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
لا أجعل له في ذلك شريكا ، ولكني أفرده بالألوهة ، وأبرأ مما سواه من الأنداد والآلهة ، فاعبدوا أنتم أيها القوم ما شئتم من الأوثان والأصنام ، وغير ذلك مما تعبدون من سائر خلقه ، فستعلمون وبال عاقبة عبادتكم ذلك إذا لقيتم ربكم . وقوله :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهم : إن الهالكين الذين غبنوا أنفسهم ، وهلكت بعذاب الله أهلوهم مع أنفسهم ، فلم يكن لهم إذ دخلوا النار فيها أهل ، وقد كان لهم في الدنيا أهلون . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
قال : هم الكفار الذين خلقهم الله للنار ، وخلق النار لهم ، فزالت عنهم الدنيا ، وحرمت عليهم الجنة ، قال الله :
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
قال : هؤلاء أهل النار ، خسروا أنفسهم في الدنيا ، وخسروا الأهلين ، فلم يجدوا في النار أهلا ، وقد كان لهم في الدنيا أهل . حدثت عن ابن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : غبنوا أنفسهم وأهليهم ، قال : يخسرون أهليهم ، فلا يكون لهم أهل يرجعون إليهم ، ويخسرون أنفسهم ، فيهلكون في النار ، فيموتون وهم أحياء فيخسرونهما . وقوله :
أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
يقول تعالى ذكره : ألا إن خسران هؤلاء المشركين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، وذلك هلاكها هو الخسران المبين ، يقول تعالى ذكره : هو الهلاك الذي يبين لمن عاينه وعلمه أنه الخسران . القول في تأويل قوله تعالى :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ . . .
يُخَوِّفُ اللَّهُ
. . . فَبَشِّرْ
. . . الْأَلْبابِ
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الخاسرين يوم القيامة في جهنم :
مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ
وذلك كهيئة الظلل المبنية من النار
وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
يقول : ومن تحتهم من النار ما يعلوهم ، حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم ظللا ، وذلك نظير قوله جل ثناؤه لهم :
مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ
يغشاهم مما تحتهم فيها من المهاد . وقوله :
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
يقول تعالى ذكره : هذا الذي أخبرتكم أيها الناس به ، مما للخاسرين يوم القيامة من العذاب ، تخويف من ربكم لكم ، يخوفكم به لتحذروه ، فتجتنبوا معاصيه ، وتنيبوا من كفركم إلى الإيمان به ، وتصديق رسوله ، واتباع أمره ونهيه ، فتنجوا من عذابه في الآخرة
فَاتَّقُونِ
يقول : فاتقوني بأداء فرائضي عليكم ، واجتناب معاصي ، لتنجوا من عذابي وسخطي . وقوله :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ
: أي اجتنبوا عبادة كل ما عبد من دون الله من شيء . وقد بينا معنى الطاغوت فيما مضى قبل بشواهد ذلك ، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وذكرنا أنه في هذا الموضع : الشيطان ، وهو في هذا الموضع وغيره بمعنى واحد عندنا . ذكر