المسح على الخفين : دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين وعلى الرابع الاجماع على أن الشئ الذي
ليس عليه نجاسة حسية ولا حكمية يسمى طاهرا ، وقد ورد إطلاق ذلك في كثير ،
فمن أجاز حمل المشترك على جميع معانيه حمله عليها هنا . والمسألة مدونة في الأصول وفيها
مذاهب . والذي يترجح أن المشترك مجمل فيها فلا يعمل به حتى يبين ، وقد وقع الاجماع
على أنه لا يجوز للمحدث حدثا أكبر أن يمس المصحف وخالف في ذلك داود .
استدل المانعون للجنب بقوله تعالى : * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * ( الواقعة : 79 ) وهو لا يتم إلا بعد
جعل الضمير راجعا إلى القرآن ، والظاهر رجوعه إلى الكتاب وهو اللوح المحفوظ لأنه
الأقرب والمطهرون الملائكة ، ولو سلم عدم الظهور فلا أقل من الاحتمال فيمتنع العمل
بأحد الامرين ، ويتوجه الرجوع إلى البراءة الأصلية ، ولو سلم رجوعه إلى القرآن على
التعيين لكانت دلالته على المطلوب وهو منع الجنب من مسه غير مسلمة ، لأن المطهر من
ليس بنجس ، والمؤمن ليس بنجس دائما لحديث : المؤمن لا ينجس وهو متفق عليه ،
فلا يصح حمل المطهر على من ليس بجنب أو حائض أو محدث أو متنجس بنجاسة عينية ،
بل يتعين حمله على من ليس بمشرك كما في قوله تعالى : * ( إنما المشركون نجس ) * ( التوبة : 28 ) لهذا
الحديث ، ولحديث النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ، ولو سلم صدق اسم الطاهر
على من ليس بمحدث حدثا أكبر أو أصغر فقد عرفت أن الراجح كون المشترك مجملا
في معانيه فلا يعين حتى يبين . وقد دل الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث : المؤمن
لا ينجس ولو سلم عدم وجود دليل يمنع من إرادته لكان تعيينه لمحل النزاع ترجيحا
بلا مرجح ، وتعيينه لجميعها استعمالا للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف ، ولو سلم رجحان
القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث : ا لمؤمن
لا ينجس . واستدلوا أيضا بحديث الباب ، وأجيب بأنه غير صالح للاحتجاج لأنه من
صحيفة غير مسموعة ، وفي رجال إسناده خلاف شديد ، ولو سلم صلاحيته للاحتجاج لعاد
البحث السابق في لفظ طاهر وقد عرفته . قال السيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير ،
إن إطلاق اسم النجس على المؤمن الذي ليس بطاهر من الجنابة أو الحيض أو الحدث
الأصغر لا يصح لا حقيقة ولا مجازا ولا لغة ، صرح بذلك في جواب سؤال ورد عليه ،
فإن ثبت هذا فالمؤمن طاهر دائما يتناوله الحديث ، سواء كان جنبا أو حائضا أو محدثا
أو على بدنه نجاسة . فإن قلت : إذا تم ما تريد من حمل الطاهر على من ليس بمشرك
نيل الأوطار — صفحة 260
مساهمون: الشوكاني
ص٢٦٠