قول الله
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
قال : المبلس : الذي قد نزل به الشر ، إذا أبلس الرجل ، فقد نزل به بلاء . وقوله :
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ
يقول تعالى ذكره : ويوم تقوم الساعة لم يكن لهؤلاء المجرمين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم من شركائهم الذين كانوا يتبعونهم ، على ما دعوهم إليه من الضلالة ، فيشاركونهم في الكفر بالله ، والمعاونة على أذى رسله ، شفعاء يشفعون لهم عند الله ، فيستنقذوهم من عذابه .
وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ
يقول : وكانوا بشركائهم في الضلالة والمعاونة في الدنيا على أولياء الله كافرين ، يجحدون ولايتهم ، ويتبرءون منهم ، كما قال جل ثناؤه :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ، وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ . وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا
البقرة : القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
يقول تعالى ذكره : ويوم تجيء الساعة التي يحشر فيها الخلق إلى الله يومئذ ، يقول في ذلك اليوم يتفرقون يعني : يتفرق أهل الإيمان بالله ، وأهل الكفر به ؛ فأما أهل الإيمان ، فيؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، وأما أهل الكفر فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، فهنا لك يميز الله الخبيث من الطيب . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله :
يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
قال : فرقة والله لا اجتماع بعدها .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
بالله ورسوله
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : وعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه
فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
يقول : فهم في الرياحين والنباتات الملتفة ، وبين أنواع الزهر في الجنان يسرون ، ويلذذون بالسماع وطيب العيش الهني . وإنما خص جل ثناؤه ذكر الروضة في هذا الموضع ، لأنه لم يكن عند الطرفين أحسن منظرا ، ولا أطيب نشرا من الرياض ، ويدل على أن ذلك كذلك قول أعشى بني ثعلبة :
ما روضة من رياض الحسن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق * مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة * ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
فأعلمهم بذلك تعالى ، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنظر الأنيق ، واللذيذ من الأراييح ، والعيش الهني فيما يحبون ، ويسرون به ، ويغبطون عليه . والحبرة عند العرب : السرور والغبطة ؛ قال العجاج :
فالحمد لله الذي أعطى الحبر * موالي الحق إن المولى شكر
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : فهم في روضة يكرمون . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
قال : يكرمون . وقال آخرون : معناه : ينعمون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله
يُحْبَرُونَ
قال : ينعمون . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله
فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
قال : ينعمون . وقال آخرون : يلذذون بالسماع والغناء . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن موسى الحرسي ، قال : ثني عامر بن يساف ، قال : سألت يحيى بن أبي كثير ، عن قول الله
فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
قال : الحبرة : اللذة