قال : قال ابن عباس : كان الحساب من ذلك في أوله ، وقال القوم حين قالوا في منازلهم من الجنة ، وقرأ
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
. حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا عمرو بن الحارث أن سعيدا الصواف حدثه أنه بلغه : أن يوم القيامة يقضي على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس ، وأنهم يقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ، فذلك قول الله :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
. قال أبو جعفر : وإنما قلنا : معنى ذلك :
خير مستقرا في الجنة منهم في الدنيا ، لأن الله تعالى ذكره عم بقوله :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
جميع أحوال الجنة في الآخرة أنها خير في الاستقرار فيها ، والقائلة من جميع أحوال أهل النار ، ولم يخص بذلك أنه خير من أحوالهم في النار دون الدنيا ، ولا في الدنيا دون الآخرة ، فالواجب أن يعم كما عم ربنا جل ثناؤه ، فيقال : أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقرا في الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة ، وأحسن منهم مقيلا . وإذا كان ذلك معناه ، صح فساد قول من توهم أن تفضيل أهل الجنة بقول الله :
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
على غير الوجه المعروف من كلام الناس بينهم في قولهم : هذا خير من هذا ، وهذا أحسن من هذا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
اختلف القراء في قراءة قوله
تَشَقَّقُ
فقرأته عامة قراء الحجاز : " ويوم تشقق " بتشديد الشين بمعنى : تتشقق ، فأدغموا إحدى التاءين في الشين فشددوها ، كما قال :
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى
وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
بتخفيف الشين والاجتزاء بإحدى التاءين من الأخرى . والقول في ذلك عندي : أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب وتأويل الكلام : ويوم تشقق السماء عن الغمام . وقيل : إن ذلك غمام أبيض مثل الغمام الذي ظلل على بني إسرائيل ، وجعلت الباء ، في قوله :
بِالْغَمامِ
مكان " عن " كما تقول : رميت عن القوس وبالقوس ، وعلى القوس ، بمعنى واحد .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
قال : هو الذي قال :
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
الذي يأتي الله فيه يوم القيامة ، ولم يكن في تلك قط إلا لبني إسرائيل . قال ابن جريج : الغمام الذي يأتي الله فيه غمام زعموا في الجنة . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن عبد الجليل ، عن أبي حازم ، عن عبد الله بن عمرو قال : يهبط الله حين يهبط ، وبينه وبين خلقه سبعون حجابا ، منها النور والظلمة والماء ، فيصوت الماء صوتا تنخلع له القلوب . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة في قوله :
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
يقول : والملائكة حوله .
حدثنا القاسم قال : ثني حجاج ، عن مبارك بن فضالة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، أنه سمع ابن عباس يقول : إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس ، وهو يوم التلاق ، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض ، فيقول أهل الأرض : جاء ربنا ، فيقولون : لم يجئ وهو آت ، ثم تتشقق السماء الثانية ، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة ، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السماوات ومن الجن والإنس . قال : فتنزل الملائكة الكروبيون ، ثم يأتي ربنا تبارك وتعالى في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة ، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة ، قال : وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه ، وكل