حنت إلى نخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدهاريس
ومنه قولهم : حجر القاضي على فلان ، وحجر فلان على أهله ؛ ومنه حجر الكعبة ، لأنه لا يدخل إليه في الطواف ، وإنما يطاف من ورائه ؛ ومنه قول الآخر .
فهممت أنا ألقى إليها محجرا * فلمثلها يلقى إليه المحجر
أي مثلها يركب منه المحرم . واختلف أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
ومن قائلوه ؟ فقال بعضهم قائلوا ذلك الملائكة للمجرمين نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن الأجلح ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم ، وسأله رجل عن قول الله :
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
قال : تقول الملائكة : حراما محرما أن تكون لكم البشرى . حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، عن جدي ، عن الحسن ، عن قتادة :
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
قال : هي كلمة كانت العرب تقولها ، كان الرجل إذا نزل به شدة قال : حجرا ، يقول : حراما محرما . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
لما جاءت زلازل الساعة ، فكان من زلازلها أن السماء انشقت
فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها
على شفة كل شيء تشقق من السماء ، فذلك قوله :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ
يعني الملائكة تقول للمجرمين :
حراما محرما أيها المجرمون أن تكون لكم البشرى اليوم حين رأيتمونا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ
قال : يوم القيامة
وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
قال : عوذا معاذا . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله ، وزاد فيه : الملائكة تقوله .
وقال آخرون : ذلك خبر من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج :
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً
قال ابن جريج : كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا : حجرا ، فقالوا حين عاينوا الملائكة . قال ابن جريج : قال مجاهد :
حِجْراً
عوذا ، يستعيذون من الملائكة . قال أبو جعفر :
وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحجر هو الحرام ، فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البشرى عليهم حرام . وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة ، وليست بتحريم . ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم ، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً أَصْحابُ الْجَنَّةِ
يقول تعالى ذكره :
وَقَدِمْنا
وعمدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون
مِنْ عَمَلٍ
ومنه قول الراجز :
وقدم الخوارج الضلال * إلى عباد ربهم فقالوا
إن دماءكم لنا حلال
يعني بقوله : قدم : عمد . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَقَدِمْنا
قال : عمدنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله وقوله :
فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
يقول : فجعلناه باطلا ، لأنهم لم يعملوه لله وإنما عملوه للشيطان . والهباء : هو الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غبارا ليس بشيء تقبض عليه الأيدي ولا تمسه ، ولا يرى ذلك في الظل .