وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال :
ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
يقول لنوح : اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين .
وَأَهْلَكَ
وهم ولده ونساؤهم .
إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
من الله بأنه ها لك فيمن يهلك من قومك فلا تحمله معك ، وهو يام الذي غرق . ويعني بقوله :
مِنْهُمْ
من أهلك ، والهاء والميم في قوله " منهم " من ذكر الأهل . وقوله :
وَلا تُخاطِبْنِي
الآية ، يقول : ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم .
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ
يقول : فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم .
القول في تأويل قوله تعالى :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ . . .
نَجَّانا
يعني تعالى ذكره بقوله :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومعك ممن حملته معك من أهلك ، راكبا فيها عاليا فوقها ؛
فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
يعني من المشركين . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام : وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك فنزلت عنها :
رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا
من الأرض
مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ
من أنزل عباده المنازل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
مُنْزَلًا مُبارَكاً
قال : لنوح حين نزل من السفينة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد ، مثله . واختلفت القراء في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراء الأمصار :
رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
بضم الميم وفتح الزاي . بمعنى : أنزلني إنزالا مباركا . وقرأه عاصم : " منزلا " بفتح الميم وكسر الزاي . بمعنى : أنزلني مكانا مباركا وموضعا . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
يقول تعالى ذكره : إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من إهلاكنا هم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام ، لعبرا لقومك من مشركي قريش ، وعظات وحججا لنا ، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم ، فينزجروا عن كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك ، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب . وقوله :
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
يقول تعالى ذكره : وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا ، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ . . .
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
يقول تعالى ذكره : ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم .
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
داعيا لهم ،
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
يا قوم ، وأطيعوه دون الآلهة والأصنام ،