يقول : أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحل بكم . القول في تأويل قوله تعالى :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . .
لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
يقول تعالى ذكره : فقالت جماعة أشراف قوم نوح ، الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه ، لقومهم : ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم ، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم ،
يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
يقول : يريد أن يصير له الفضل عليكم ، فيكون متبوعا وأنتم له تبع .
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
يقول : ولو شاء الله أن لا نعبد شيئا سواه لأنزل ملائكة ، يقول : لأرسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدي إليكم رسالته . وقوله :
ما سَمِعْنا بِهذا
الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية ، وهي آباؤهم الأولون . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ . . .
الْفُلْكَ
. . . إِلَّا مَنْ سَبَقَ
يعني تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملأ الذين كفروا من قوم نوح
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
ما نوح إلا رجل به جنون . وقد يقال أيضا للجن جنة ، فيتفق الاسم والمصدر ، و " هو " من قوله :
إِنْ هُوَ
كناية اسم نوح . وقوله :
فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ
يقول : فتلبثوا به ، وتنظروا به حتى حين ؛ يقول : إلى وقت ما . ولم يعنوا بذلك وقتا معلوما ، إنما هو كقول القائل : دعه إلى يوم ما ، أو إلى وقت ما . وقوله :
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ
يقول : قال نوح داعيا ربه مستنصرا به على قومه ، لما طال أمره وأمرهم وتمادوا في غيهم :
رَبِّ انْصُرْنِي
على قومي
بِما كَذَّبُونِ
يعني بتكذيبهم إياي ، فيما بلغتهم من رسالتك ودعوتهم إليه من توحيدك . وقوله :
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ
يقول : فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه : اصنع الفلك ، وهي السفينة
بِأَعْيُنِنا
يقول : بمرأى منا ومنظر ،
وَوَحْيِنا
يقول : وبتعليمنا إياك صنعتها .
فَإِذا جاءَ أَمْرُنا
يقول :
فإذا جاء قضاؤنا في قومك ، بعذابهم وهلاكهم ؛
وَفارَ التَّنُّورُ
وقد ذكرنا اختلاف المختلين في صفت فور التنور والصواب عندنا من القول فيه بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
يقول : فأدخل في الفلك واحمل . والهاء والألف في قوله :
فِيها
من ذكر الفلك . يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه ؛ ومن سلكته قوم الشاعر :
وكنت لزاز خصمك لم أعرد * وقد سلكوك في يوم عصيب
وبعضهم يقول : أسلكت بالألف ؛ ومنه قولي الهذلي .
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا