أولو العزم من الرسل واصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت أي لا تلق أمرى كما ألقاه وهذا القول أعنى قول من قال ذهب عن قومه مغاضبا لربه أشبه بتأويل الآية وذلك لدلالة قوله فظن أن لن نقدر عليه على ذلك على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه انما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبي من الأنبياء ربه واستعظاما له وهم بقيلهم انه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا وذلك أن الذين قالوا ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك فقال بعضهم انما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم واستحيا منهم ولم يعلم المسبب الذي دفع به عنهم البلاء وقال بعض من قال هذا القول كان من أخلاق قومه الذين فارقهم قتل من جربوا عليه الكذب عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة يونس فكرهنا إعادته في هذا الموضع وقال آخرون بل انما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم اليه فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم فقيل له الأمر أسرع من ذلك ولم ينظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا ليلبسها فقيل له نحو القول الأول وكان رجلا في خلقه ضيق فقال أعجلنى ربى أن آخذ نعلا فذهب مغاضبا وممن ذكر هذا القول عنه الحسن البصري ( حدثني ) بذلك الحرث قال ثنا الحسن بن موسى عن أبي هلال عن شهر بن حوشب عنه قال أبو جعفر وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبي اللّه يونس صلوات اللّه عليه شئ الا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا ذهب مغاضبا لقومه لان ذهابه عن قومه مغاضبا لهم وقد أمره اللّه تعالى بالمقام بين أظهرهم ليبلغهم رسالته ويحذرهم بأسه وعقوبته على تركهم الايمان به والعمل بطاعته لا شك أن فيه ما فيه ولولا أنه قد كان صلى اللّه عليه وسلم أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة لم يكن اللّه تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ويصفه بالصفة التي وصفه بها فيقول لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ويقول فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون وقوله فظن أن لن نقدر عليه اختلف أهل التأويل في تأويله فقال بعضهم معناه فظن أن لن نعاقبه بالتضييق عليه من قولهم قدرت على فلان إذا ضيقت عليه كما قال اللّه جل ثناؤه ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللّه ذكر من قال ذلك ( حدثني ) على قال ثنا عبد اللّه بن صالح قال ثنى معاوية عن علىّ عن ابن عباس قوله فظن أن لن نقدر عليه يقول ظن أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه ( حدثني ) محمد بن سعد قال ثنى أبى قال ثنى عمى قال ثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس فظن أن لن نقدر عليه يقول ظن أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم وفراره وعقوبته أخذ النون إياه ( حدثنا ) محمد بن المثنى قال ثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن مجاهد أنه قال في هذه الآية فظن أن لن نقدر عليه قال فظن أن لن نعاقبه بذنبه
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 62
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٦٢