تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
القديم ، لأنه قديم ، كما يقال : السيف العتيق ، لأنه أول بيت وضع للناس بناه آدم ، وهو أول من بناه ، ثم بوأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق ، فبناه إبراهيم وإسماعيل . قال أبو جعفر : ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله :
بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
وجه صحيح ، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر . غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة ، إن كان ما : حدثني به محمد بن سهل البخاري ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : أخبرني الليث ، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن الزهري ، عن محمد بن عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه قط صحيحا " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال الزهري : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سمي البيت العتيق لآن الله أعتقه " ثم ذكر مثله . وعني بالطواف الذي أمر جل ثناؤه حاج بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الحج الذي يطاف به بعد التعريف ، إما يوم النحر وإما بعده ، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك . ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك : حدثنا عمرو بن سعيد القرشي ، قال : ثنا الأنصاري ، عن أشعث ، عن الحسن :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
الحج قال : طواف الزيارة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا خالد ، قال : ثنا الأشعث ، أن الحسن قال في قوله :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
الحج قال : الطواف الواجب . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
يعني : زيارة البيت الحج . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن حجاج وعبد الملك ، عن عطاء ، في قوله :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
قال : طواف يوم النحر . حدثني أبو عبد الرحمن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سألت زهير ا عن قول الله :
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
قال : طواف الوداع الحج . واختلف القراء في قراءة هذه الحروف ، فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا " بتسكين اللام في كل ذلك طلب التخفيف ، كما فعلوا في " هو " إذا كانت قبله واو ، فقالوا
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
فسكنوا الهاء ، وكذلك يفعلون في لام الأمر إذا كان قبلها حرف من حروف النسق كالواو والفاء وثم . وكذلك قرأت عامة قراء أهل البصرة ، غير أن أبا عمرو بن العلاء كان يكسر اللام من قوله : " ثم ليقضوا " خاصة من أجل أن الوقوف على " ثم " دون " ليقضوا " حسن ، وغير جائز الوقوف على الواو والفاء . وهذا الذي اعتل به أبو عمرو لقراءته علة حسنة من جهة القياس ، غير أن أكثر القراء على تسكينها . وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي ، أن التسكين في لام " ليقضوا " والكسر قراءتان مشهورتان ولغتان سائرتان ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . غير أن الكسر فيها خاصة أقيس ، لما ذكرنا لأبي عمرو من العلة ، لأن من قرأ :
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
فهو بتسكين الهاء مع الواو والفاء ، ويحركها في قوله :
ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
فذلك الواجب عليه أن يفعل في قوله : " ثم ليقضوا تفثهم " فيحرك اللام إلى الكسر مع " ثم " وإن سكنها في قوله :
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ
. وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري تحريكها مع " ثم " والواو ، وهي لغة مشهورة ، غير أن أكثر القراء مع الواو والفاء على تسكينها ، وهي أشهر اللغتين في العرب وأفصحها ، فالقراءة بها أعجب إلي من كسرها . القول في تأويل قوله تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ . . .
فَاجْتَنِبُوا
يعني تعالى ذكره بقوله
ذلِكَ
هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت العتيق ، هو الفرض الواجب عليكم يا أيها الناس في حجكم الحج .
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ
يقول : ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه