تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
صار معناه ومعنى من قال : كان المتساقط . عليها رطبا نخلة واحدا ، فتبين بذلك صحة ما قلنا . وقوله :
جَنِيًّا
يعني مجنيا ؛ وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل ؛ والمجني : المأخوذ طريا ، وكل ما أخذ من ثمرة ، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني ، ولذلك قيل : فلان يجتني الكمأة ؛ ومنه قول ابن أخت جذيمة :
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يد إلى فيه
القول في تأويل قوله تعالى :
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً . . .
فَقُولِي إِنِّي
يقول تعالى ذكره : فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك ، واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك ، لا تخشي جوعا ولا عطشا
وَقَرِّي عَيْناً
يقول : وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني . ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار . وإنما معنى الكلام : ولتقرر عينك بولدك ، ثم حول الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين ، فنصبت العين إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير ، نظير ما فعل بقوله :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً
وإنما هو : فإن طابت أنفسهن لكم . وقوله :
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
ومنه قوله : " يساقط عليك رطبا جنيا " إنما هو يساقط عليك رطب الجذع ، فحول الفعل إلى الجذع ، في قراءة من قرأه بالياء . وفي قراءة من قرأه :
تُساقِطْ
بالتاء ، معناه : يساقط عليك رطب النخلة ، ثم حول الفعل إلى النخلة . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله :
وَقَرِّي
. فأما أهل المدينة فقرءوه :
وَقَرِّي
بفتح القاف على لغة من قال : قررت بالمكان أقر به ، وقررت عينا ، أقر به قرورا ، وهي لغة قريش فيما ذكر لي وعليها القراءة . وأما أهل نجد فإنها تقول قررت به عينا أقر به قرارا وقررت بالمكان أقر به ، فالقراءة على لغتهم : " وقري عينا " بكسر القاف ، والقراءة عندنا على لغة قريش بفتح القاف . وقوله :
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
يقول : فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شيء أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
يقول : فقولي : إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
صمتا . حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا حجاج ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني المغيرة بن عثمان ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
قال : صمتا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
قال : يعني بالصوم : الصمت . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، قال : سمعت أنسا قرأ : وإني نذرت للرحمن صوما وصمتا " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
أما قوله :
صَوْماً
فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال :