تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
قال : قال مجاهد
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
قال : النخلة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عيسى بن ميمون ، عن مجاهد ، في قوله
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
قال : العجوة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن عمرو بن ميمون ، أنه تلا هذه الآية :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا
قال : فقال عمرو : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب . وأدخلت الباء في قوله :
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
كما يقال : زوجتك فلانة ، وزوجتك بفلانة ؛ وكما قال
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
بمعنى : تنبت الدهن . وإنما تفعل العرب بذلك ، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء ، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا : فعلت به ، وكذلك كل فعل ، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج ، فيكون دخولها وخروجها بمعنى ، فمعنى الكلام : وهزي إليك جذع النخلة ؛ وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك : وهزي إليك رطبا بجذع النخلة ، بمعنى : على جذع النخلة ، وجها صحيحا ، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك . ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر :
بواد يمان ينبت السدر صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان
واختلف القراء في قراءة قوله :
تُساقِطْ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة : " تساقط " بالتاء من تساقط وتشديد السين ، بمعنى : تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا ، ثم تدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدد ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا . وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة : " تساقط " بالتاء وتخفيف السين ، ووجه معنى الكلام ، إلى مثل ما وجه إليه مشددوها ، غير أنهم خالفوهم في القراءة . وروي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك تساقط : " يساقط " بالياء . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا يزيد ، عن جرير بن حازم ، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك ، وكأنه وجه معنى الكلام إلى : وهزي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا . وروي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه تساقط : " تسقط " بضم التاء وإسقاط الألف . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، قال : سمعت أبا نهيك يقرؤه كذلك . وكأنه وجه معنى الكلام إلى : تسقط النخلة عليك رطبا جنيا . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن هذه القراءات الثلاث ، أعني
تُساقِطْ
بالتاء وتشديد السين ، وبالتاء وتخفيف السين ، وبالياء وتشديد السين ، قراءات متقاربات المعاني ، قد قرأ بكل واحدة منهن قراء أهل معرفة بالقرآن ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه ، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا ، وهو ثابت غير مقطوع ، فقد تساقطت النخلة رطبا ، وإذا تساقطت النخلة رطبا ، فقد تساقطت النخلة بأجمعها ، جذعها وغير جذعها ، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها ، فإنما هي جذع وجريد وسعف ، فإذا قطعت صارت جذعا ، فالجذع الذي أمرت مريم بهزه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السدي ، وقد زعم أنه عاد بهزها إياه نخلة ، فقد