فغير شبيه المعنى بقوله
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ
وذلك أن فرعون كان هو الذي يجمع ويحتفل بما يغلب به موسى مما لم يكن عنده مجتمعا حاضرا ، فقيل : فتولى فرعون فجمع كيده . وقوله :
ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا
يقول :
احضروا وجيئوا صفا ؛ والصف هاهنا مصدر ، ولذلك وحد ، ومعناه : ثم ائتوا صفوفا ، وللصف في كلام العرب موضع آخر ، وهو قول العرب : أتيت الصف اليوم ، يعني به المصلى الذي يصلي فيه . وقوله :
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
يقول : قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثت عن وهب بن منبه ، قال : جمع فرعون الناس لذلك الجمع ، ثم أمر السحرة فقال :
ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
أي قد أفلح من أفلج اليوم على صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى :
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
يقول تعالى ذكره : فأجمعت السحرة كيدهم ، ثم أتوا صفا فقالوا لموسى :
يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه . واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا ، فقال بعضهم : كانوا سبعين ألف ساحر ، مع كل ساحر منهم حبل وعصا . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائي ، قال : ثنا القاسم بن أبي بزة ، قال :
جمع فرعون سبعين ألف ساحر ، فألقوا سبعين ألف حبل ، وسبعين ألف عصا ؛ فألقى موسى عصاه ، فإذا هي ثعبان مبين فاغر به فاه ، فابتلع حبالهم وعصيهم ،
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً
عند ذلك ، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما ، فعند ذلك
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ
. وقال آخرون : بل كانوا نيفا وثلاثين ألف رجل . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال لهم موسى : ألقوا ، فألقوا حبالهم وعصيهم ، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا . وقال آخرون بل كانوا خمسة عشر ألفا . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثت عن وهب بن منبه ، قال : صف خمسة عشر ألف ساحر ، مع كل ساحر حباله وعصيه . وقال آخرون : كانوا تسع مئة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : كان السحرة ثلاث مئة من العريش ، وثلاث مئة من فيوم ، ويشكون في ثلاث مئة من الإسكندرية ؛ فقالوا لموسى : إما أن تلقي ما معك قبلنا ، وإما أن نلقي ما معنا قبلك ، وذلك قوله :
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
. وأن في قوله :
إِمَّا أَنْ
في موضع نصب ، وذلك أن معنى الكلام : اختر يا موسى أحد هذين الأمرين : إما أن تلقي قبلنا ، وإما أن نكون أول من ألقى ، ولو قال قائل : هو رفع ، كان مذهبا ، كأنه وجهه إلى أنه خبر ، كقول القائل :
فسيرا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق
وقوله :
قالَ بَلْ أَلْقُوا
يقول تعالى ذكره : قال موسى للسحرة : بل ألقوا أنتم ما معكم قبلي . وقوله :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
وفي هذا الكلام متروك ، وهو : فألقوا ما معهم من الحبال والعصي ، فإذا حبالهم ، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه عنه . وذكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم ، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى ،