تركهم عبادة آلهته :
رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول : قالوا ربنا ملك السماوات والأرض وما فيهما من شيء ، وآلهتك مربوبة ، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الرب ونعبد المربوب
لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
يقول :
لن ندعو من دون رب السماوات والأرض إلها ، لأنه لا إله غيره ، وإن كل ما دونه فهو خلقه .
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
يقول جل ثناؤه : لئن دعونا إلها غير إله السماوات والأرض ، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها ، شططا من القول : يعني غاليا من الكذب ، مجاوزا مقداره في البطول والغلو : كما قال الشاعر :
ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي * ويزعمن أن أودى بحقي باطلي
يقال منه : قد أشط فلان في السوم إذا جاوز القدر وارتفع ، يشط إشطاطا وشططا . فأما من البعد فإنما يقال : شط منزل فلان يشط شطوطا ؛ ومن الطول : شطت الجارية تشط شطاطا وشطاطة : إذا طالت .
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله
شَطَطاً
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال :
ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
يقول كذبا . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
قال : لقد قلنا إذن خطأ ، قال : الشطط : الخطأ من القول .
القول في تأويل قوله تعالى :
هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
يقول عز ذكره مخبرا عن قيل الفتية من أصحاب الكهف : هؤلاء قومنا اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها من دونه
لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
يقول : هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة . وفي الكلام محذوف اجتزئ بما ظهر عما حذف ، وذلك في قوله :
لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
فالهاء والميم في عليهم من ذكر الآلهة ، والآلهة لا يؤتى عليها بسلطان ، ولا يسأل السلطان عليها ، وإنما يسأل عابدوها السلطان على عبادتهموها ، فمعلوم إذ كان الأمر كذلك ، أن معنى الكلام : لولا يأتون على عبادتهموها ، واتخاذهموها آلهة من دون الله بسلطان بين . وبنحو ما قلنا في معنى السلطان ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
يقول : بعذر بين . وعنى بقوله عز ذكره :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
ومن أشد اعتداء وإشراكا بالله ، ممن اختلق ، فتخرص على الله كذبا ، وأشرك مع الله في سلطانه شريكا يعبده دونه ، ويتخده إلها . القول في تأويل قوله تعالى
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل بعض الفتية لبعض : وإذا اعتزلتم أيها الفتية قومكم الذين اتخذوا من دون الله آلهة
وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
يقول : وإذا اعتزلتم قومكم الذين يعبدون من الآلهة سوى الله ، ف " ما " إذ كان ذلك معناه في موضع نصب عطفا لها على الهاء ، والميم التي في قوله
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وهي في مصحف عبد الله : " وما يعبدون من دون الله " هذا تفسيرها . وأما قوله :
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
فإنه يعني به : فصيروا إلى غار الجبل الذي يسمى بنجلوس ،
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
يقول : يبسط لكم ربكم من رحمته بتيسيره لكم المخرج من الأمر الذي قد رميتم به من الكافر دقينوس وطلبه إياكم لعرضكم على الفتنة . وقوله :
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
جواب لإذ ، كأن معنى الكلام : وإذ اعتزلتم أيها القوم قومكم ، فأووا إلى الكهف ؛ كما يقال : إذ أذنبت فاستغفر الله وتب إليه . وقوله :
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً
يقول : وييسر لكم من أمركم الذي أنتم فيه من الغم والكرب خوفا منكم على أنفسكم ودينكم مرفقا ، ويعني بالمرفق : ما ترتفقون به من شيء . وفي المرفق من اليد وغير اليد لغتان : كسر الميم وفتح الفاء ، وفتح الميم وكسر الفاء . وكان الكسائي ينكر