تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ . . .
يعني جل ثناؤه بقوله :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف : أي ألقينا عليهم النوم ، كما يقول القائل لآخر : ضربك الله بالفالج ، بمعنى ابتلاه الله به ، وأرسله عليه . وقوله :
سِنِينَ عَدَداً
يعني سنين معدودة ، ونصب العدد بقوله
فَضَرَبْنا
. وقوله :
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى
يقول : ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم ، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث ، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا
أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
يقول : أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا ؛ ويعني بالأمد : الغاية ، كما قال النابغة :
إلا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد
وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم ، قوم من قوم الفتية ، فقال بعضهم : كان الحزبان جميعا كافرين . وقال بعضهم : بل كان أحدهما مسلما ، والآخر كافرا . ذكر من قال : كان الحزبان من قوم الفتية : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
من قوم الفتية . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
يقول : ما كان لواحد من الفريقين علم ، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم . وأما قوله :
أَمَداً
فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : معناه : بعيدا . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله
لِما لَبِثُوا أَمَداً
يقول : بعيدا . وقال آخرون : معناه : عددا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
أَمَداً
قال : عددا . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وفي نصب قوله
أَمَداً
وجهان : أحدهما أن يكون منصوبا على التفسير من قوله
أَحْصى
كأنه قيل : أي الحزبين أصوب عددا لقدر لبثهم . وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب ، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء . والآخر : أن يكون منصوبا بوقوع قوله
لَبِثُوا
عليه ، كأنه قال : أي الحزبين أحصى للبثهم غاية . القول في تأويل قوله تعالى
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً . . .
مِنْ دُونِهِ إِلهاً
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق ، يعني : بالصدق واليقين الذي لا شك فيه
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
يقول : إن الفتية الذين أووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك ، فتية آمنوا بربهم ،
وَزِدْناهُمْ هُدىً
يقول : وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانا ، وبصيرة بدينهم ، حتى صبروا على هجران دار قومهم ، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله ، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه ، إلى خشونة المكث في كهف الجبل . وقوله :
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
يقول عز ذكره : وألهمناهم الصبر ، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة
وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ
يقول : بالإيمان . وقوله :
إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يقول : حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس ، فقالوا له إذ عاتبهم على
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 137 | محمد بن جرير الطبري