تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
القول ، أعني قول قتادة ، أولى بتأويل الآية ؛ لأن قوله :
فِيهِ
في سياق الخبر عن العسل ، فأن تكون الهاء من ذكر العسل ، إذ كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
يقول تعالى ذكره : إن في إخراج الله من بطون هذه النحل : الشراب المختلف ، الذي هو شفاء للناس ، لدلالة وحجة واضحة على من سخر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكل ، واتخاذها البيوت التي تنحت من الجبال والشجر والعروش ، وأخرج من بطونها ما أخرج من الشفاء للناس ، أنه الواحد الذي ليس كمثله شيء ، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك ولا تصح الألوهة إلا له . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ . . .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
يقول تعالى ذكره : والله خلقكم أيها الناس وأوجدكم ولم تكونوا شيئا ، لا الآلهة التي تعبدون من دونه ، فاعبدوا الذي خلقكم دون غيره .
ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
يقول : ثم يقبضكم .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
يقول : ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر ، وهو أردؤه ، يقال منه : رذل الرجل وفسل ، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا . وقيل : إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة . حدثني محمد بن إسماعيل الفزاري ، قال : أخبرنا محمد بن سوار ، قال : ثنا أسد بن عمران ، عن سعد بن طريف ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي ، في قوله :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
قال : خمس وسبعون سنة . وقوله :
لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
يقول : إنما نرده إلى أرذل العمر ليعود جاهلا كما كان في حال طفولته وصباه .
بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً
يقول : لئلا يعلم شيئا بعد علم كان يعلمه في شبابه ، فذهب ذلك بالكبر ونسي ، فلا يعلم منه شيئا ، وانسلخ من عقله ، فصار من بعد عقل كان له لا يعقل شيئا .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
يقول : إن الله لا ينسى ولا يتغير علمه ، عليم بكل ما كان ويكون ، قدير على ما شاء ، لا يجهل شيئا ولا يعجزه شيء أراده . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
يقول تعالى ذكره : والله أيها الناس فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا ، فما الذين فضلهم الله على غيرهم بما رزقهم
بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
يقول : بمشركي مماليكهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج .
فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
يقول : حتى يستووا هم في ذلك وعبيدهم ، يقول تعالى ذكره : فهم لا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء ، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني . وهذا مثل ضربه الله تعالى ذكره للمشركين بالله . وقيل : إنما عنى بذلك الذين قالوا : إن المسيح ابن الله من النصارى . وقوله :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
يقول تعالى ذكره : أفبنعمة الله التي أنعمها على هؤلاء المشركين من الرزق الذي رزقهم في الدنيا يجحدون بإشراكهم غير الله من خلقه في سلطانه وملكه ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
يقول : لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ؟ فذلك قوله :
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : هذه الآية في شأن عيسى ابن مريم ، يعني بذلك نفسه ، إنما