تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
النبيذ والخل ؛ قلت : والرزق الحسن ؟ قال : كانوا يصنعون من التمر والزبيب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة وأحمد بن بشير ، عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : السكر : النبيذ والرزق الحسن : التمر الذي كان يؤكل . وعلى هذا التأويل قال آخرون : السكر : هو كل ما كان حلالا شربه ، كالنبيذ الحلال والخل والرطب . والرزق الحسن : التمر والزبيب الآية غير منسوخة ، بل حكمها ثابت . وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية ، وذلك أن السكر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة : أحدها : ما أسكر من الشراب . والثاني : ما طعم من الطعام ، كما قال الشاعر :
جعلت عيب الأكرمين سكرا
أي طعما . والثالث : السكون ، من قول الشاعر :
جعلت عين الحرور تسكر
وقد بينا ذلك فيما مضى . والرابع : المصدر من قولهم : سكر فلان يسكر سكرا وسكرا وسكرا . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان ما يسكر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى : " لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام " وكان غير جائز لنا أن نقول : هو منسوخ ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه ، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر ، وغير ما يسكر من الشراب ، حرام ؛ إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب ، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم ، ولم يكن مع ذلك ، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول ، ولا أجمعت عليه الأمة ، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع : هو كل ما حل شربه مما يتخذ من ثمر النخل والكرم ، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب ، وخرج من أن يكون معناه السكر نفسه ، إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم ، ومن أن يكون بمعنى السكون . وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يقول : فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الأنعام والنخل والكرم ، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه ويفهمون عنه مواعظه فيتعظون بها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
يقول تعالى ذكره : وألهم ربك يا محمد النحل إيحاء إليها
أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
يعني : مما يبنون من السقوف ، فرفعوها بالبناء . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا مروان ، عن إسحاق التميمي ، وهو ابن أبي الصباح ، عن رجل ، عن مجاهد :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
قال : ألهمها إلهاما . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : بلغني ، في قوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
قال : قذف في أنفسها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو سفيان ، عن معمر ، عن أصحابه معمر ، قوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
قال : قذف في أنفسها أن اتخذي من الجبال بيوتا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ
الآية ، قال : أمرها أن تأكل من الثمرات ، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللا . وقد بينا معنى الإيحاء واختلاف المختلفين فيه فيما مضى بشواهده ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، وكذلك معنى قوله :
يَعْرِشُونَ
وكان ابن زيد يقول في معنى يعرشون ، ما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
يَعْرِشُونَ
قال : الكرم . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ