وانقادوا له حين عاينوا الموت قد نزل بهم .
ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ
وفي الكلام محذوف استغني بفهم سامعيه ما دل عليه الكلام عن ذكره ، وهو : قالوا ما كنا نعمل من سوء . يخبر عنهم بذلك أنهم كذبوا وقالوا : ما كنا نعصي الله اعتصاما منهم بالباطل رجاء أن ينجوا بذلك ، فكذبهم الله فقال : بل كنتم تعملون السوء وتصدون عن سبيل الله .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
يقول : إن الله ذو علم بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصيه وتأتون فيها ما يسخطه . القول في تأويل قوله تعالى :
فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
يقول تعالى ذكره ، يقول لهؤلاء الظلمة أنفسهم حين يقولون لربهم : ما كنا نعمل من سوء : ادخلوا أبواب جهنم ، يعني : طبقات جهنم ،
خالِدِينَ فِيها
يعني :
ماكثين فيها ،
فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
يقول : فلبئس منزل من تكبر على الله ولم يقر بربوبيته ويصدق بوحدانيته جهنم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
يقول تعالى ذكره : وقيل للفريق الآخر الذين هم أهل إيمان وتقوى لله :
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً
يقول : قالوا : أنزل خيرا .
وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يقول : إنما اختلف الأعراب في قوله :
قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وقوله :
خَيْراً
والمسألة قبل الجوابين كليهما واحدة ، وهي قوله :
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
لأن الكفار جحدوا التنزيل ، فقالوا حين سمعوه : أساطير الأولين ، أي هذا الذي جئت به أساطير الأولين ولم ينزل الله منه شيئا . وأما المؤمنون فصدقوا التنزيل ، فقالوا خيرا بمعنى أنه أنزل خيرا ، فانتصب بوقوع الفعل من الله على الخير ، فلهذا افترقا ؛ ثم ابتدأ الخبر فقال :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
وقد بينا القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وقوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
يقول تعالى ذكره :
للذين آمنوا بالله في هذه الدنيا ورسوله وأطاعوه فيها ودعوا عباد الله إلى الإيمان والعمل بما أمر الله به
حَسَنَةٌ
يقول : كرامة من الله ،
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
يقول : ولدار الآخرة خير لهم من دار الدنيا ، وكرامة الله التي أعدها لهم فيها أعظم من كرامته التي عجلها لهم في الدنيا ؛
وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
يقول :
ولنعم دار الذين خافوا الله في الدنيا فاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتجنب معاصيه دار الآخرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
وهؤلاء مؤمنون ، فيقال لهم :
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
فيقولون
خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ
أي آمنوا بالله وأمروا بطاعة الله ، وحثوا أهل طاعة الله على الخير ودعوهم إليه . القول في تأويل قوله تعالى :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها . . .
كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
جَنَّاتُ عَدْنٍ
بساتين للمقام ، وقد بينا اختلاف أهل التأويل في معنى عدن فيما مضى بما أغنى عن إعادته .
يَدْخُلُونَها
يقول : يدخلون جنات عدن . وفي رفع " جنات " أوجه ثلاث : أحدها : أن يكون مرفوعا على الابتداء ، والآخر : بالعائد من الذكر في قوله :
" يدخلونها " ، والثالث : على أن يكون خبر النعم ، فيكون المعنى إذا جعلت خبر النعم : ولنعم دار المتقين جنات عدن ، ويكون " يدخلونها " في موضع حال ، كما يقال : نعم الدار دار تسكنها أنت . وقد يجوز أن يكون