تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
مشركون ، أشركوا الشيطان في أعمالهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبي جعفر ، عن الربيع :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
أشركوه في أعمالهم . والقول الأول ، أعني قول مجاهد ، أولى القولين في ذلك بالصواب ؛ وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم ، لا أنهم يشركون بالشيطان . ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع ، لكان التنزيل : الذين هم مشركوه ، ولم يكن في الكلام " به " ، فكان يكون لو كان التنزيل كذلك : والذين هم مشركوه في أعمالهم ، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهة الشيطان ويشركون الله به في عبادتهم إياه ، فيصح حينئذ معنى الكلام ، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن ؛ وذلك أن الله تعالى وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانا ، وقال في كل موضع تقدم إليهم بالزجر عن ذلك : لا تشركوا بالله شيئا ، ولم نجد في شيء من التنزيل : لا تشركوا الله بشيء ، ولا في شيء من القرآن خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء فيجوز لنا توجيه معنى قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله . فبين إذا إذ كان ذلك كذلك أن الهاء في قوله :
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ
عائدة على " الرب " في قوله :
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
القول في تأويل قوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره : وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم أخرى ،
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
يقول : والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل ويغير من أحكامه ،
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
يقول : قال المشركون بالله المكذبو رسوله لرسوله : إنما أنت يا محمد مفتر ؛ أي مكذب تخرص بتقول الباطل على الله . يقول الله تعالى : بل أكثر هؤلاء القائلين لك يا محمد إنما أنت مفتر جهال بأن الذي تأتيهم به من عند الله ناسخه ومنسوخه لا يعلمون حقيقة صحته . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ؛ وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ؛ وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
رفعناها فأنزلنا غيرها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
قال : نسخناها ، بدلناها ، رفعناها ، وأثبتنا غيرها . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
هو كقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
قالوا : إنما أنت مفتر ، تأتي بشيء وتنقضه ، فتأتي بغيره . قال : وهذا التبديل ناسخ ، ولا نبدل آية مكان آية إلا بنسخ . القول في تأويل قوله تعالى :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للقائلين لك إنما أنت مفتر فيما تتلو عليهم من آي كتابنا : أنزله روح القدس ؛ يقول : قل جاء به جبرئيل من عند ربي بالحق . وقد بينت في غير هذا الموضع معنى روح القدس ، بما أغنى عن إعادته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من