تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
فإنهما لا يستويان عندكم ، فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله .
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
يقول جل ثناؤه : أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون ، فتعلموا حقيقة اختلاف أمريهما ، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى ومن الكفر إلى الإيمان ؟ فالأعمى والأصم والبصير والسميع في اللفظ أربعة ، وفي المعنى اثنان ، ولذلك قيل :
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
وقيل : كالأعمى والأصم ، والمعنى : كالأعمى الأصم ، وكذلك قيل والبصير والسميع ، والمعنى : البصير السميع ، كقول القائل : قام الظريف والعاقل ، وهو ينعت بذلك شخصا واحدا . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
يقول تعالى ذكره :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ
أيها القوم
نَذِيرٌ
من الله نذركم بأسه على كفركم به ، فآمنوا به وأطيعوا أمره . ويعني بقوله :
مُبِينٌ
يبين لكم عما أرسل ، به إليكم من أمر الله ونهيه . واختلفت القراء في قراءة قوله :
إِنِّي
فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة وبعض المدنيين بكسر " إن " على وجه الابتداء ، إذ كان في الإرسال معنى القول . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة بفتح " أن " على إعمال الإرسال فيها ، كأن معنى الكلام عندهم : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين . والصواب من القول في ذلك عندي ، أن يقال إنهما قراءتان متفقتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ كان مصيبا للصواب في ذلك . وقوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
فمن كسر الألف في قوله :
إِنِّي
جعل قوله :
أَرْسَلْنا
عاملا في " أن " التي في قوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
ويصير المعنى حينئذ : ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ، أن لا تعبدوا إلا الله ، وقل لهم
إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ
ومن فتحها ، رد " أن " في قوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا
عليها ، فيكون المعنى حينئذ : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم نذير مبين ، بأن لا تعبدوا إلا الله . ويعني بقوله : بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناس ، عبادة الآلهة والأوثان وإشراكها في عبادته ، وأفردوا الله بالتوحيد وأخلصوا له العبادة ، فإنه لا شريك له في خلقه . وقوله :
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ
يقول : إني أيها القوم إن لم تخصوا الله بالعبادة وتفردوه بالتوحيد وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان ، أخاف عليكم من الله عذاب يوم مؤلم عقابه وعذابه لمن عذب فيه . وجعل الأليم من صفة اليوم وهو من صفة العذاب ، إذ كان العذاب فيه كما قيل :
وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
وإنما السكن من صفة ما سكن فيه دون الليل . القول في تأويل قوله تعالى :
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ . . .
ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا
يقول تعالى ذكره : فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم ، وهم الملأ الذين كفروا بالله وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام
ما نَراكَ
يا نوح
إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا
يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصورة والجنس ، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه . وقوله :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
يقول : وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس دون الكبراء والأشراف فيما يرى ويظهر لنا . وقوله :
بادِيَ الرَّأْيِ
اختلفت القراء في قراءته ، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق :
بادِيَ الرَّأْيِ
بغير همز " البادي " وبهمز " الرأي " ، بمعنى : ظاهر الرأي ، من قولهم : بدا الشيء يبدو : إذا ظهر ، كما قال الراجز :
أضحى لخالي شبهي بادي بدي * وصار للفحل لساني ويدي
" بادي بدي " بغير همز . وقال آخر : وقد علتني ذرأة بادي بدي وقرأ ذلك بعض أهل البصرة : " بادئ الرأي " مهموز أيضا ، بمعنى : مبتدأ الرأي ، من قولهم : بدأت بهذا الأمر : إذا ابتدأت به قبل غيره . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأ :
بادِيَ
بغير همز " البادي " ، وبهمز " الرأي " ، لأن معنى ذلك الكلام : إلا الذين هم أراذلنا في ظاهر الرأي وفيما يظهر لنا . وقوله :
وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ
يقول :