تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ليقومن ، بمعنى : حقا ليقومن ، فمعنى الكلام : لا منع عن أنهم ، ولا صد عن أنهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا في الدنيا بطاعة الله وأخبتوا إلى ربهم . واختلف أهل التأويل في معنى الإخبات ، فقال بعضهم : معنى ذلك : وأنابوا إلى ربهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
قال : الإخبات : الإنابة حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
يقول : وأنابوا إلى ربهم وقال آخرون : معنى ذلك : وخافوا . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
يقول : خافوا وقال آخرون : معناه : اطمأنوا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
قال : اطمأنوا حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : معنى ذلك : خشعوا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمرة ، عن قتادة :
وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ
الإخبات : التخشع والتواضع قال أبو جعفر : وهذه الأقوال متقاربة المعاني وإن اختلفت ألفاظها ، لأن الإنابة إلى الله من خوف الله ، ومن الخشوع والتواضع لله بالطاعة ، والطمأنينة إليه من الخشوع له ، غير أن نفس الإخبات عند العرب الخشوع والتواضع . وقال :
إِلى رَبِّهِمْ
ومعناه : أخبتوا لربهم ، وذلك أن العرب تضع اللام موضع " إلى " و " إلى " موضع اللام كثيرا ، كما قال تعالى :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
بمعنى : أوحى إليها . وقد يجوز أن يكون قيل ذلك كذلك ، لأنهم وصفوا بأنهم عمدوا بإخباتهم إلى الله . وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان الجنة الذين لا يخرجون عنها ولا يموتون فيها ، ولكنهم فيها لابثون إلى غير نهاية . القول في تأويل قوله تعالى :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
يقول تعالى ذكره : مثل فريقي الكفر والإيمان كمثل الأعمى الذي لا يرى بعينه شيئا ، والأصم الذي لا يسمع شيئا ؛ فكذلك فريق الكفر لا يبصر الحق فيتبعه ويعمل به ، لشغله بكفره بالله وغلبة خذلان الله عليه ، لا يسمع داعي الله إلى الرشاد فيجيبه إلى الهدى فيهتدي به ، فهو مقيم في ضلالته ، يتردد في حيرته . والسميع والبصير ، فكذلك فريق الإيمان أبصر حجج الله ، وأقر بما دلت عليه من توحيد الله والبراءة من الآلهة والأنداد ونبوة الأنبياء عليهم السلام وسمع داعي الله فأجابه وعمل بطاعة الله . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
قال : الأعمى والأصم : الكافر ، والبصير والسميع : المؤمن حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
الفريقان الكافران ، والمؤمنان ، فأما الأعمى والأصم فالكافران ، وأما البصير والسميع فهما المؤمنان حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ
الآية ، هذا مثل ضربه الله الكافر والمؤمن ، فأما الكافر فصم عن الحق ، فلا يسمعه ، وعمي عنه فلا يبصره . وأما المؤمن فسمع الحق فانتفع به وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به يقول تعالى :
هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا
يقول : هل يستوي هذان الفريقان على اختلاف حالتيهما في أنفسهما عندكم أيها الناس ؟