موضع من الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
عمارة المسجد يقول تعالى ذكره :
ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر . يقول : أن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها لا للكفر به ، فمن كان بالله كافرا فليس من شأنه أن يعمر مساجد الله . وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، فإنها كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
يقول : ما ينبغي لهم أن يعمروها عمارة المسجد . وأما
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
فإن النصراني يسأل :
ما أنت ؟ فيقول : نصراني ، واليهود ، فيقول : يهودي ، والصابئ ، فيقول : صابئ ، والمشرك يقول إذا سألته :
ما دينك ؟ فيقول : مشرك لم يكن ليقوله أحد إلا العرب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
عمارة المسجد قال : يقول : ما كان ينبغي لهم أن يعمروها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي :
شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ
قال : النصراني يقال له : ما أنت ؟ فيقول : نصراني ، واليهود يقال له : ما أنت ؟ فيقول : يهودي ، والصابئ يقال له : ما أنت ؟ فيقول : صابئ . وقوله :
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ
يقول : بطلت وذهبت أجورها ، لأنها لم تكن لله ، بل كانت للشيطان .
وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ
يقول : ماكثون فيها أبدا ، لا أحياء ولا أمواتا .
واختلفت القراء في قراءة قوله :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة :
مَساجِدَ اللَّهِ
على الجمع . وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين : " مسجد الله " . على التوحيد ، بمعنى المسجد الحرام . وهم جميعا مجمعون على قراءة قوله :
مَساجِدَ اللَّهِ
على الجمع ، لأنه إذا قرئ كذلك احتمل معنى الواحد والجمع ، لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد ، كقولهم : عليه ثوب أخلاق . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
يقول تعالى ذكره : إنما يعمر مساجد الله عمارة المسجد المصدق بوحدانية الله ، المخلص له العبادة واليوم الآخر ، يقول : الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياء من قبورهم يوم القيامة ، وأقام الصلاة المكتوبة بحدودها ، وأدى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له .
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
يقول : ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه سوى الله .
فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
يقول : فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
يقول من وحد الله . وآمن باليوم الآخر ؛ يقول : أقر بما أنزل الله .
وَأَقامَ الصَّلاةَ
يعني الصلوات الخمس .
وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ
يقول : ثم لم يعبد إلا الله ، قال :
فَعَسى أُولئِكَ
يقول : إن أولئك هم المفلحون ، كقوله لنبيه :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا . وهي الشفاعة ، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثم ذكر قول قريش : إنا أهل الحرم ، وسقاة الحاج ، وعمار هذا البيت ، ولا أحد