لا وجه له في كلام العرب ، لأنه لا يعرف العفو بمعنى السرور في شيء من كلامها إلا أن يكون أراد حتى سروا بكثرتهم وكثرة أموالهم ، فيكون ذلك وجها وإن بعد . وأما قوله :
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ
فإنه خبر من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم الحسنة السيئة التي كانوا فيها استدراجا وابتلاء أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم : هذه أحوال قد أصابت من قبلنا من آبائنا ونالت أسلافنا ، ونحن لانعدو أن نكون أمثالهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها ، وهي السراء ، لأنها تسر أهلها . وجهل المساكين شكر نعمة الله ، واغفلوا من جهلهم استدامة فضله بالإنابة إلى طاعته ، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة ، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون . يقول جل جلاله :
فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
يقول : فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة . أتاهم على غرة منهم بمجيئه ، وهم لا يدرون ، ولا يعلمون أنه يجيئهم ، بل هم بأنه آتيهم مكذبون حتى يعاينوه ويروه . سقط من الناسخ تفسير هذه الآيات ، ، القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
يقول تعالى ذكره :
أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته ، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش ، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم .
فإن مكر الله لا يأمنه ، يقول : لا يأمن ذلك أن يكون استدراجا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على حصيتهم إلا القوم الخاسرون وهم الهالكون . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
يقول :
أو لم يبين للذين يستخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها ، فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم ، وعتوا عن أمر ربهم
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
يقول : أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ، فأخذناهم بذنوبهم . وعجلنا لهم بأسنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض .
فأهلكناهم بذنوبهم .
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
يقول : ونختم على قلوبهم فهم
لا يَسْمَعُونَ
موعظة ولا تذكيرا سماع منتفع بهما . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
أَ وَلَمْ يَهْدِ
قال : يبين .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
أَ وَلَمْ يَهْدِ
أو لم يبين . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
يقول : أو لم يبين لهم . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
يقول : أو لم يتبين للذين يرمون الأرض من بعد أهلها ؛ هم المشركون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها
أو لم نبين لهم ،
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
قالوا : والهدى : البيان الذي بعث هاديا لهم مبينا لهم ، حتى يعرفوا ، ولولا البيان لم يعرفوا .
القول في تأويل قوله تعالى :
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما
يقول تعالى ذكره :
هذه القرى التي ذكرت لك يا محمد أمرها وأمر أهلها ، يعني : قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب