تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها
فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها ، وما كان من أمرهم ، وأمر رسل الله التي أرسلت إليهم ، لتعلم إنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا ، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذب رسل الله ، فيرتدعوا عن تكذيبك ، وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته .
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
يقول : ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها رسلهم بالبينات ؛ يعي بالحجج : البينات .
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذبوا من قبل ذلك ، وذلك يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
قال : ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها . وقال آخرون : معنى ذلك : فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به يوم أخرجهم من صلب آدم عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
قال : كان في علمه يوم أقروا له بالميثاق . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم والأنبياء ويدعوا علم ما أخفى الله عليهم ، فإن علمه نافذ فيما كان وفيما يكون ، وفي ذلك قال :
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
قال : نفذ علمه فيهم أيهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم ، وتصديق ذلك حيث قال لنوح
اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ
وقال في ذلك :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
وفي ذلك قال
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
وفي ذلك قال :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
ولا حجة لأحد على الله . وقال آخرون : معنى ذلك : فما كانوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله ليؤمنوا بما كذبوا من قبل هلاكهم ، كما قال جل ثناؤه :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله :
بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ
قال : كقوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
قال أبو جعفر : وأشبه هذه الأقوال بتأويل الآية وأولاها بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن أبي بن كعب والربيع ، وذلك أن من سبق في علم الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن به ، فلن يؤمن أبدا ، وقد كان سبق في علم الله تعالى لمن هلك من الأمم التي قص نبأهم في هذه السورة أنه لا يؤمن أبدا ، فأخبر جل ثناؤه عنهم ، أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم . ولو قيل تأويله : فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا محمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود ، ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده ، كان وجها ومذهبا ، غير أني لا أعلم قائلا قاله ممن يعتمد على علمه بتأويل القرآن . وأما الذي قاله مجاهد من أن معناه : لو ردوا ما كانوا ليؤمنوا ، فتأويل لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا من خبر عن الرسول