صحيح . وإذا كان ذلك كذلك ، فأولى منه بالصواب ما كان عليه من ظاهر التنزيل دليل . وأما قوله :
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ
فإنه يقول تعالى ذكره : كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمم التي قصصنا عليك نبأهم يا محمد في هذه السورة حتى جاءهم بأس الله فهلكوا به ، كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدا من قومك . القول في تأويل قوله تعالى :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
يقول تعالى ذكره : ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك يا محمد نبأها من عهد ، يقول : من وفاء بما وصيناهم به من توحيد الله ، واتباع رسله ، والعمل بطاعته ، واجتناب معاصيه وهجر عبادة الأوثان والأصنام . والعهد : هو الوصية ، قد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته .
وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
يقول : وما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم ، تاركين عهده ووصيته . وقد بينا معنى الفسق قبل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى :
وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
قال : القرون الماضية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : " وما وجدنا أكثرهم لفاسقين " " " " الآية ، قال : القرون الماضية وعهده الذي أخذه من بني آدم في ظهر آدم ولم يفوا به . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
قال :
في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم عليه السلام . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس :
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به . القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب موسى بن عمران .
والهاء والميم اللتان في قوله :
مِنْ بَعْدِهِمْ
هي كناية ذكر الأنبياء عليهم السلام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى هذا الموضع .
بِآياتِنا
يقول : بحججنا وأدلتنا إلى فرعون وملإيه ، يعني : إلى جماعة فرعون من الرجال .
فَظَلَمُوا بِها
يقول : فكفروا بها . والهاء والألف اللتان في قوله " بها " عائدتان على الآيات . ومعنى ذلك : فظلموا بآياتنا التي بعثنا بها موسى إليهم . وإنما جاز أن يقال : فظلموا بها ، بمعنى : كفروا بها ، لأن الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، وقد دللت فيما مضى على أن ذلك معناه بما أغنى عن إعادته .
والكفر بآيات الله : وضع لها في غير موضعها ، وصرف لها إلى غير وجهها الذي عنيت به .
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض ، يعني فرعون وملأه ، إذ ظلموا بآيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام ، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعا في البحر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
يقول جل ثناؤه : وقال موسى لفرعون : يا فرعون إني رسول من رب العالمين . القول في تأويل قوله تعالى :
حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ
. . . إِنْ كُنْتَ