وأما قوله :
وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فإنه قول هارون لأخيه موسى ، يقول : لا تجعلني في موجدتك علي وعقوبتك لي ولم أخالف أمرك محل من عصاك فخالف أمرك وعبد العجل بعدك فظلم نفسه وعبد غير من له العبادة ، ولم أشايعهم على شيء من ذلك . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
قال : أصحاب العجل .
حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بمثله . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
يقول تعالى ذكره : قال موسى لما تبين له عذر أخيه ، وعلم أنه لم يفرط في الواجب الذي كان عليه من أمر الله في ارتكاب ما فعله الجهلة من عبدة العجل :
رَبِّ اغْفِرْ لِي
مستغفرا من فعله بأخيه ، ولأخيه من سالف له بينه وبين الله ، تغمد ذنوبنا بستر منك تسترها به .
وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ
يقول : وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين ، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئا . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
يقول تعالى ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
إلها ،
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ
بتعجيل الله لهم ذلك ،
وَذِلَّةٌ
وهي الهوان ، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم ؛
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة . وكان ابن جريج يقول في ذلك بما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
قال : هذا لمن مات ممن اتخذ العجل قبل أن يرجع موسى عليه السلام ، ومن فر منهم حين أمرهم موسى أن يقتل بعضهم بعضا . وهذا الذي قاله ابن جريج ، وإن كان قولا له وجه ، فإن ظاهر كتاب الله مع تأويل أكثر أهل التأويل بخلافه ؛ وذلك أن الله عم بالخبر عمن اتخذ العجل أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا . وتظاهرت الأخبار عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين بأن الله ، إذ رجع إلى بني إسرائيل موسى عليه السلام ، تاب على عبدة العجل من فعلهم ، بما أخبر به عن قيل موسى عليه السلام في كتابه ، وذلك قوله :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
ففعلوا ما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فكان أمر الله إياهم بما أمرهم به من قتل بعضهم أنفس بعض ، عن غضب منه عليهم بعبادتهم العجل ، فكان قتل بعضهم بعضا هوانا لهم وذلة أذلهم الله بها في الحياة الدنيا ، وتوبة منهم إلى الله قبلها . وليس لأحد أن يجعل خبرا جاء الكتاب بعمومه في خاص مما عمه الظاهر بغير برهان من حجة خبر أو عقل ، ولا نعلم خبرا جاء بوجوب نقل ظاهر قوله :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ
إلى باطن خاص ، ولا من العقل عليه دليل ، فيجب إحالة ظاهره إلى باطنه . ويعني بقوله :
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
وكما جزيت هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها من إحلال الغضب بهم ، والإذلال في الحياة الدنيا على كفرهم ربهم ، وردتهم عن دينهم بعد إيمانهم بالله ، وكذلك نجزي كل من افترى على الله فكذب عليه وأقر بألوهية غيره وعبد شيئا سواه من الأوثان بعد إقراره بوحدانية الله ، وبعد إيمانه به وبأنبيائه ورسله وقيل ذلك ، إذا لم يتب من كفره قبل قتله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن أيوب ، قال : تلا أبو قلابة :
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ