تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
والإنس وجميع الأشياء ، وغير ذلك ، ويدبر ذلك كله ، رب موسى وهارون ، لا فرعون . كالذي : حدثني عبد الكريم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال ثنا سفيان ، قال : ثنا أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما رأت السحرة ما رأت ، عرفت أن ذلك أمر من السماء وليس بسحر ، خروا سجدا ، وقالوا : آمنا برب العالمين رب موسى وهارون . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
يقول تعالى ذكره :
قالَ فِرْعَوْنُ
للسحرة إذ آمنوا بالله ، يعني صدقوا رسوله موسى عليه السلام لما عاينوا من عظيم قدرة الله وسلطانه :
آمَنْتُمْ
يقول : أصدقتم بموسى وأقررتم بنبوته ،
قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
بالإيمان به .
إِنَّ هذا
يقول : تصديقكم إياه ، وإقراركم بنبوته ،
لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ
يقول لخدعة خدعتم بها من في مدينتنا لتخرجوهم منها .
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
ما أفعل بكم ، وتلقون من عقابي إياكم على صنيعهم هذا . وكان مكرهم ذلك فيما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في حديث ذكره عن أبي مالك وعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : التقى موسى وأمير السحرة ، فقال له موسى : أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق ؟ قال الساحر : لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر ، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم ؛ فهو قول فرعون :
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ
إذ التقيتما لتظاهرا فتخرجا منها أهلها . القول في تأويل قوله تعالى :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله وصدقوا رسوله موسى :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى ، أو يقطع يده اليسرى ورحله اليمنى ، فيخالف بين العضوين في القطع ، فمخالفته في ذلك بينهما هو القطع من خلاف . ويقال : إن أول من سن هذا القطع فرعون .
ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
وإنما قال هذا فرعون ، لما رأى من خذلان الله إياه وغلبة موسى عليه السلام وقهره له . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو داود الحفري وحبوية الرازي ، عن يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
قال : أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون . القول في تأويل قوله تعالى :
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ . . .
بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا
يقول تعالى ذكره : قال السحرة مجيبة لفرعون ، إذ توعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف ، والصلب :
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
يعني بالانقلاب إلى الله الرجوع إليه والمصير . وقوله :
وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا
يقول : ما تنكر منا يا فرعون وما تجد علينا ، إلا من أجل أن آمنا : أي صدقنا بآيات ربنا ، يقول : بحجج ربنا وأعلامه وأدلته التي لا يقدر على مثلها أنت ، ولا أحد سوى الله ، الذي له ملك السماوات والأرض . ثم فزعوا إلى الله ، بمسألته الصبر على عذاب فرعون ، وقبض أرواحهم على الإسلام ، فقالوا :
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
يعنون بقولهم : أفرغ : أنزل علينا حبسا يحبسنا عن الكفر بك عند تعذيب فرعون إيانا .
وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ
يقول : واقبضنا إليك على الإسلام ، دين خليلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، لا على الشرك بك . فحدثني موسى