في تأويل قوله تعالى :
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ . . .
نَحْنُ الْمُلْقِينَ
يقول جل ثناؤه : قال فرعون للسحرة إذ قالوا له : إن لنا عندك ثوابا إن نحن غلبنا موسى قال : نعم ، لكم ذلك ، وإنكم لممن أقربه وأدنيه مني .
قالُوا يا مُوسى
يقول : قالت السحرة لموسى :
يا موسى اختر أن تلقي عصاك ، أو نلقي نحن عصينا ولذلك أدخلت " أن " مع " إما " في الكلام لأنها في موضع أمر بالاختيار ، فإن " أن " في موضع نصب لما وصفت من المعنى ، لأن معنى الكلام : اختر أن تلقي أنت ، أو نلقي نحن ، والكلام مع " إما " إذا كان على وجه الأمر ، فلا بد من أن يكون فيه " أن " كقولك للرجل إما أن تمضي ، وإما أن تقعد ، بمعنى الأمر : امض أو اقعد ، فإذا كان على وجه الخبر لم يكن فيه أن كقوله :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وهذا هو الذي يسمى التخيير ، وكذلك كل ما كان على وجه الخبر ، و " إما " في جميع ذلك مكسورة . القول في تأويل قوله تعالى :
قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
يقول تعالى ذكره : قال موسى للسحرة :
أَلْقُوا
ما أنتم ملقون ، فألقت السحرة ما معهم .
فَلَمَّا أَلْقَوْا
ذلك
سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
خيلوا إلى أعين الناس بما أحدثوا من التخييل والخدع أنها تسعى .
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ
يقول : واسترهبوا الناس بما سحروا في أعينهم ، حتى خافوا من العصي والحبال ، ظنا منهم أنها حيات .
وَجاؤُ
كما قال الله
بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
بتخييل عظيم كثير ، من التخييل والخداع . وذلك كالذي : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قال : قال لهم موسى : ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم ، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ، ليس منهم رجل إلا معه حبل وعصا .
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ
يقول : فرقوهم فأوجس في نفسه خيفة موسى . حدثني عبد الكريم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا أبو سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، قال : فأقبلت تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : صف خمسة عشر ألف ساحر ، مع كل ساحر حباله وعصيه ، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته ، ثم قالت السحرة :
يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ
فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ، ثم أبصار الناس بعد ، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصى والحبال ، فإذا هي حيات كأمثال الحبال ، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا .
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
وقال : والله إن كانت لعصيا في أيديهم ، ولقد عادت حيات ، وما تعدو هذا أو كما حدث نفسه . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائي ، قال : ثنا القاسم بن أبي بزة ، قال : جمع فرعون سبعين ألف ساحر ، وألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا ، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . القول في تأويل قوله تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ
يقول تعالى ذكره : وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ، فألقاها فإذا هي تلقم وتبتلع ما يسحرون كذبا وباطلا ، يقال منه : لقفت الشيء فأنا ألقفه لقفا ولقفانا . وذلك كالذي : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ،