تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن القاسم بن محمد ، قال : سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفال ، فقال ابن عباس : الفرس من النفل ، والسلب من النفل . ثم عاد لمسألته ، فقال ابن عباس ذلك أيضا ، ثم قال الرجل : الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي ؟ قال القاسم : فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه ، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد ، قال : قال ابن عباس : كان عمر رضي الله عنه إذا سئل عن شيء قال : لا آمرك ولا أنهاك . ثم قال ابن عباس : والله ما بعث الله نبيه عليه السلام إلا زاجرا آمرا محللا محرما . قال القاسم : فسلط على ابن عباس رجل يسأله عن الأنفال ، فقال ابن عباس : كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه . فأعاد عليه الرجل ، فقال له مثل ذلك ، ثم أعاد عليه حتى أغضبه ، فقال ابن عباس : أتدرون ما مثل هذا ؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر حتى سالت الدماء على عقبيه ، أو على رجليه ، فقال الرجل : أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن عبد الملك ، عن عطاء :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ
قال : يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو عبد ، فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون : النفل الأنفال : الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس . ذكر من قال ذلك . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ
قال : هو الخمس . قال المهاجرون : لم يرفع عنا هذا الخمس ؟ لم يخرج منا ؟ فقال الله : هو لله والرسول . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا عباد بن العوام ، عن الحجاج ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس ، فنزلت :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ
. قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال قول من قال : هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم ؛ إما من سلبه على حقوقهم من القسمة ، وإما مما وصل إليه بالنفل ، أو ببعض أسبابه ، ترغيبا له وتحريضا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين ، أو صلاح أحد الفريقين . وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك ، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس ؛ لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر ، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام ، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ، لأن النفل في كلام العرب إنما هو الزيادة على الشيء ، يقال منه : نفلتك كذا ، وأنفلتك : إذا زدتك ، والأنفال : جمع نفل ؛ ومنه قول لبيد بن ربيعة :
إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثي وعجل
فإذ كان معناه ما ذكرنا ، فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة ، إن كان ذلك لبلاء أبلاه أو لغناء كان منه عن المسلمين ، بتنفيل الوالي ذلك إياه ، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل ، فهو منفل ما زيد من ذلك ؛ لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق ، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة ، وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل ، لأنه وإن كان مغلوبا عليه فليس مما وقعت عليه القسمة . فالفصل إذ كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل ، أن الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل أو لم ينفل ؛ والنفل : هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة . وإذ كان ذلك معنى النفل ، فتأويل الكلام : يسألك أصحابك يا محمد عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدر لمن هو قل لهم يا محمد : هو لله ولرسوله دونكم ، يجعله حيث شاء . واختلف في السبب