تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وأن محمدا نبي مبعوث ، كما يعرفون أبناءهم . وقوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
من نعت " الذين " الأولى ، ويعنى بقوله :
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
أهلكوها وألقوها في نار جهنم بإنكارهم محمدا أنه لله رسول مرسل ، وهم بحقيقة ذلك عارفون
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يقول : فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون . وقد قيل : إن معنى خسارتهم أنفسهم : أن كل عبد له منزل في الجنة ومنزل في النار ؛ فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة ، وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار ، فذلك خسران الخاسرين منهم لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار ، بما فرط منهم في الدنيا من معصيتهم الله وظلمهم أنفسهم ، وذلك معنى قول الله تعالى :
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ
وبنحو ما قلنا في معنى قوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
يعرفون أن الإسلام دين الله ، وأن محمدا رسول الله ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
النصارى واليهود ، يعرفون رسول الله في كتابهم ، كما يعرفون أبناءهم . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
. . . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ
يعني النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال : زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم ، أنهم قالوا : والله لنحن أعرف به من أبنائنا من أجل الصفة والنعت الذي نجده في الكتاب وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدث النساء . القول في تأويل قوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
. يقول تعالى ذكره : ومن أشد اعتداء وأخطأ فعلا وأخطل قولا
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
يعني : ممن اختلق على الله قيل باطل ، واخترق من نفسه عليه كذبا ، فزعم أن له شريكا من خلقه وإلها يعبد من دونه كما قاله المشركون من عبدة الأوثان ، أو ادعى له ولدا أو صاحبة كما قالته النصارى .
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
يقول : أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم كذبت بها اليهود .
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
يقول : إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل ، ولا يدركون البقاء في الجنان ، والمفترون عليه الكذب والجاحدون بنبوة أنبيائه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
. يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء المفترين على الله كذبا والمكذبين بآياته ، لا يفلحون اليوم في الدنيا ولا يوم نحشرهم جميعا ، يعني : ولا في الآخرة . ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظهر عما حذف . وتأويل الكلام : إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً
فقوله : " ويوم نحشرهم " ، مردود على المراد في الكلام ، لأنه وإن كان محذوفا منه فكأنه فيه لمعرفة السامعين بمعناه .
ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
يقول : ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب بادعائهم له في سلطانه شريكا والمكذبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة :
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
أنهم لكم آلهة من دون الله ، افتراء وكذبا ، وتدعونهم من دونه أربابا ، فأتوا بهم إن كنتم صادقين القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
يقول تعالى ذكره : ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم : أين شركاؤكم
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 105 | محمد بن جرير الطبري