ولا ندعو سواك . القول في تأويل قوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة ، عند لقاء الله على أنفسهم بقيلهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين ، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها متخلقين في الدنيا من الكذب والفرية .
ومعنى النظر في هذا الموضع : النظر بالقلب لا النظر بالبصر ، وإنما معناه : تبين ، فاعلم كيف كذبوا في الآخرة . وقال : " كذبوا " ، ومعناه : يكذبون ، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها صار كالشئ الذي قد كان ووجد .
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
يقول : وفارقهم الأنداد والأصنام وتبرءوا منها ، فسلكوا غير سبيلها لأنها هلكت ، وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتزاء ، ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله وعبادتهم إياه وإشراكهم إياها في سلطان الله ، فضلت عنهم ، وعوقب عابدوها بفريتهم .
وقد بينا فيما مضى أن معنى الضلال : الأخذ على غير الهدى . وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة الله يومئذ . ذكر الرواية بذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، قال : ثنا عمرو ، عن مطرف ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، قال : أتى رجل ابن عباس ، فقال : قال الله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
وقال في آية أخرى :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
قال ابن عباس :
أما قوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام فقالوا : تعالوا لنجحد
قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
. حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال : قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ، ولا يغفر الله لمشرك ، انظر كيف كذبوا على أنفسهم بتكذيب الله إياهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال :
ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
ثم قال :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
بجوارحهم . حدثنا ابن وكيع ، قال ثنا أبي ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال : حلفوا واعتذروا ، قالوا : والله ربنا . حدثني المثنى ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن سعيد بن جبير ، قال : أقسموا واعتذروا : والله ربنا . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير بنحوه . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن سفيان بن زياد العصفري ، عن سعيد بن جبير ، في قوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد ، قال من فيها من المشركين : تعالوا نقول : لا إله إلا الله ، لعلنا نخرج مع هؤلاء قال : فلم يصدقوا ، قال : فحلفوا :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال : فقال الله :
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
. حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي يشركون به . حدثنا الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا المنهال بن عمرو ، عن سعيد عن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال : لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم ، قالوا : تعالوا إذا سئلنا قلنا
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
. فسئلوا ، فقالوا ذلك ، فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم ، فود الذين كفروا حين رأوا ذلك
لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
. حدثني الحرث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا مسلم بن خلف ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : يأتي على الناس يوم القيامة ساعة لما رأى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم ، فيقولون :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
قال :
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى