الذين كنتم تزعمون إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك إذ فتناهم فاختبرناهم ،
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
كذبا منهم في أيمانهم على قيلهم ذلك . ثم اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة من قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : " ثم لم تكن فتنتهم " بالنصب ، بمعنى : لم يكن اختبارنا لهم إلا قيلهم
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
غير أنهم يقرءون
تَكُنْ
بالتاء على التأنيث وإن كانت للقول لا للفتنه لمجاورته الفتنة وهي خبر ، وذلك عند أهل العربية شاذ غير فصيع في الكلام ؛ وقد روي بيت للبيد بنحو ذلك ، وهو قوله :
فمضى وقدمها وكانت * عادة منه إذا هي عردت إقدامها
فقال : " وكانت " بتأنيث الإقدام لمجاورته قوله : عادة . وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين : " ثم لم يكن " بالياء " فتنتهم " بالنصب
إِلَّا أَنْ قالُوا
بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم ، غير أنهم ذكروا يكون لتذكير أن . . . وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب ، لأن " أن " أثبت في المعرفة من الفتنة .
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
فقال بعضهم : معناه : ثم لم يكن قولهم .
ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال قتادة في قوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
قال : مقالتهم . قال معمر : وسمعت غير قتادة يقول : معذرتهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
قال : قولهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبى ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا
الآية ، فهو كلامهم ، قالوا :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
. حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال سمعت الضحاك :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
يعني كلامهم . وقال آخرون : معنى ذلك معذرتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار وابن المثنى ، قالا : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
قال : معذرتهم . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
يقول : اعتذارهم بالباطل والكذب . والصواب من القول في ذلك أن يقال معناه : ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله ،
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام . وإنما الفتنة : الاختبار والابتلاء ، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنا لك إلا عند الاختبار ، وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم . واختلفت القراء أيضا في قراءة قوله :
إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين :
وَاللَّهِ رَبِّنا
خفضا على أن " الرب " نعت لله . وقرأ ذلك جماعة من التابعين : " والله ربنا " بالنصب بمعنى : والله يا ربنا ، وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة . وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك قراءة من قرأ : " والله ربنا " بنصب الرب ، بمعنى : يا ربنا . وذلك أن هذا جواب من المسؤولين المقول لهم :
أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
وكان من جواب القوم لربهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين ، فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا . يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، ويعني بقوله :
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
ما كنا ندعو لك شريكا