انتهى إلى قوله :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
، ثم قصد بقوله :
أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ
الخبر عن الفريقين .
القول في تأويل قوله تعالى :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
يقول تعالى ذكره : كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى فأرادوا مناهضة من ناوأهم ، شتته الله عليهم وأفسده ، لسوء فعالهم وخبث نياتهم . كالذي : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله :
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
قال : كان الفساد الأول ، فبعث الله عليهم عدوا ، فاستباحوا الديار واستنكحوا النساء واستعبدوا الولدان وخربوا المسجد . فغيروا زمانا ، ثم بعث الله فيهم نبيا ، وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان . ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء ، حتى قتلوا يحيى بن زكريا ، فبعث الله عليهم بختنصر ، قتل من قتل منهم وسبى من سبى وخرب المسجد ، فكان بختنصر للفساد الثاني . قال : والفساد : المعصية . ثم قال :
فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
إلى قوله :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
فبعث الله لهم عزيزا ، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره ، وكتبها لهم . فقام بها ذلك القرن ، ولبثوا ونسوا .
ومات عزير ، وكانت أحداث ، ونسوا العهد ، وبخلوا ربهم ، وقالوا :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
وقالوا في عزيز : إن الله اتخذه ولدا . وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح ، فخالفوا ما نهوا عنه وعملوا بما كانوا يكفرون عليه . فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لم يظهروا على عدو آخر الدهر ، فقال :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
، فبعث الله عليهم المجوس الثلاثة أربابا ، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم وهم يقولون : يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا ، عسى الله أن يفكنا به من المجوس والعذاب الهون فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأسمه محمد ، وأسمه في الإنجيل أحمد ؛
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
، قال :
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
وقال :
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
هم اليهود حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً
أولئك أعداء الله اليهود ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله ، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
قال : كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه الله ، وأطفأ حدهم ونارهم ، وقذف في قلوبهم الرعب وقال مجاهد بما : حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
قال : حرب محمد صلى الله عليه وسلم القول في تأويل قوله تعالى :
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
يقول تعالى ذكره : ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله ، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله ويخالفون أمره ونهيه ، وذلك سعيهم فيها بالفساد .
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
يقول :
والله لا يحب من كان عاملا بمعاصيه في أرضه . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا
يقول تعالى ذكره :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ
وهم اليهود والنصارى ،
آمَنُوا
بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوه واتبعوه وما أنزل عليه .
وَاتَّقَوْا
ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه .
لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
يقول : محونا عنهم ذنوبهم ، فغطينا عليها ولم